8.15.2017

حول (مراجعات لا تراجعات) لمحمد رفيقي

 28 أبريل 2017

حول (مراجعات لا تراجعات) لمحمد رفيقي 

1

قرأت (23 حلقة ) لـ محمد رفيقي، المكنى بأبي حفص، كان قد سجن لسنوات بسبب قضية إرهاب، وأطل علينا بسلسلة حملت عنوان (مراجعات لا تراجعات).
 
وتعليق سريع عليها، بداية حملت عنوان المراجعة لا التراجع، فأي مراجعة هذه التي لا تفيد تراجعاً عن موقف، ولم التشديد على أنها مجرد مراجعة ليست تراجعاً؟ يفترض تسمية الأمور بمسمياتها برأيي أليس كذلك؟ 
 
كان هناك حديث طويل منه عن تاريخ الجهاديين، وتطورهم ونحو هذا، جميل أن يكون له رؤية في التاريخ، لكن في موضوع تجربته الشخصية، يفترض أن نسمعه هو، لا أن نسمع حديثاً طويلاً عن غيره، وإلا فيمكن أن يؤلف كتاباً في رؤيته التاريخية.
بدأ في الحديث عن المراجعة، وتغيير الأقوال ونحو هذا فيقول:
 "
ولا زال علماء المسلمين المبرزين في كل الأبواب يغيرون أقوالهم ومواقفهم وتصوراتهم تبعاً لتفاعلهم مع محيطهم وواقعهم المتغير، فمذهب الشافعي في مصر غير مذهبه في العراق "!.
إلى أي درجة هذه المقارنة مجحفة للأئمة؟! فقول الشافعي القديم كان ناشئاً عن اجتهاد وكان وقتها أهلا للاجتهاد الشرعي، ولما قال بغيره كان أهلا للاجتهاد، في حين أنه يصف هو نفسه أبناء تياره السابقين بقوله:
" يكفيك من ذلك أن تحفظ بعض ما كتبه أبو قتادة أو المقدسي أو سيد إمام، وبعض ما سطره أبو بصير في رده على الألباني، لتتصدر المجالس، ويشار إليك بالبنان، وتسلط عليك ألقاب المشيخة "!
 
فمن كان هذا حاله، لا يقال فيه الشافعي كان على مذهب قديم وصار إلى جديد!، أو أن أحمد له أقوال في المسألة، فهذا عامي لا يقارن بالمجتهدين.
لكن أبا حفص يحدثنا فضلاً عن كونه كان قارئاً نهماً، فقد كان حافظاً بذاكرة عجيبة، فيقول:
"
حفظت كتب العثيمين وشروحاته عن ظهر قلب، خاصة شرحه على (زاد المستقنع) "
طبع شرح العثيمين على الزاد المسمى (الشرح الممتع) في (15) مجلداً،وشرحه على البخاري في (100) مجلدات، وشرحه على مسلم في (7) مجلدات، وجاء مجموع فتاواه ورسائله في (26) مجلداً، نتحدث هنا عن 60 مجلداً تقريباً يفترض بأبي حفص أن يكون حفظها عن ظهر قلب!!

2

يتحدث رفيقي عن نشأته الدينية، والده كان متشبعاً بالتصوف، ثم سافر إلى الحج فعاد " متشبعاً بأصول المنهج السلفي، القائم على محاربة التصوف، وما يرونه بدعاً وانحرافاً عن الجادة " يقول: عاد والدي متأثراً بكل ذلك معلناً حربه على زوار الأضرحة والحاجين لها " المهم يقول إنه نشأ في هذا الجو، وصار يحضر دروس المسجد للسلفيين، " وقراءة كل ما يهديه لنا الدكتور تقي الدين الهلالي"
ثم بعد هذا يحدثنا عن زيارته للمدينة المنورة فيقول " قررت بعد زيارة الجامعة الإسلامية وانبهار بإمكانياتها وقربها من قبر النبي صلى الله عليه وسلم تحويل الوجهة نحو الدراسة الشرعية ".
 
يعني بعد كل التأثر من أبيه وحربه على القبوريين إلخ، وأنه هو نفسه بدأ يحضر دروسهم ويقرأ كتبهم، قرر الدراسة في الجامعة لقربها من قبر النبي؟ 
 
ما علينا، يقول " بولوجي الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.... تلقيت كل معالم المنهج السلفي وأصوله، كل أبجدياته وتفاصيله "
هو درس هناك باكالوريا، يعني لنقل 44 سنوات، كان درس كل شيء من المنهج السلفي، كنت أسأل في ذهني وماذا سيدرس هناك الناس بعد 4 سنوات وقد انتهوا من (كل) المنهج السلفي؟! في الباكالوريا.. يقدمون ماجستير معتزلة مثلاً؟
 
في الجامعة يقول " توطدت علاقتي بالتيار المدخلي " وزار الشيخ ربيع المدخلي ووجد نفسه "مجبراً على الولاء للرجل"، وكان له صديق اسمه حسن " بلغه تأثري بالمداخلة فراسلني في ورقات طوال وسطور تتطاير غضبا، يحاول ثنيي عن ذلك وإقناعي بالرجوع عن ذلك المسلك " يقول أبو حفص:" رددت عليه في رسالة أطول منها مبرراً قناعاتي ".
 
ورغم كل هذا الذي كتبه، يقول عن ربيع المدخلي:" الرجل لم يقنعني يوماً، ولا رأيت فيه ما يعجبني "، ويقول:" لم أقتنع يوماً بمنهج ربيع ".
ولا أي يوم؟ ولا نصفه؟ ولا نصف ساعة طيب؟ ولا حتى "يوم أصبحت مدخلياً"
ولا حتى لما أجبرت على الولاء له؟
 
ولا حتى لما رددت على صديقك حسن برسالة طويلة؟ ويوم توطدت علاقتك بالتيار كنت تمدح مثلا سيد قطب لا المدخلي حينها؟

3


يقول أبو حفص واصفاً حال التيار الذي كان فيه:
"
يستطيع المنتمي للتيار بكل سهولة تسلق الدرجات، والانتقال من مرتبة فرد عادي متعاطف إلى درجة شيخ ".
فكيف برجل درس شريعة في المدينة؟ ووالده سافر أفغانستان بمهمة إغاثية، وهو نفسه زارها في العطلة الصيفية يوم كان (16) ولم يشترك بأي عمل قتالي، لكن هذا الماضي مع ما يذكره أبو حفص يبين إلى أي درجة كانت مرتبته.
كان بنظره مؤهلاً " لممارسة دور التأطير والتعليم ".
 
وبدأ يعطي دروسا في الفقه، وكان لا يحضرها "إلا أبناء التيار السلفي الجهادي"، لكنه من البداية كان يخالفهم! لكن خلافه " لا يظهره طبعاً خوفاً من تفرقهم عني".
 
يعني ما سألوك؟ ما قالوا لك رأيك في قضاياهم الأساسية؟ هل كانوا أي واحد يعطي درساً في الفقه يتجمعون حوله؟!
يقول:
1 -  "
كنت لا أكفر الحكام عيناً، كما هو أحد أصول الجهاديين، فلذلك كنت أتحاشى خوض هذا الموضوع، نظراً لحساسيته عند القوم، ومركزيته في الرؤية والتصور "
22 - "
كنت لا أقبل أبداً ذلك الهجوم الكاسح على كبار علماء التيار السلفي التقليدي... كنت.... حريصا على ترسيخ فكرة الاحترام للعلماء مهما كان الاختلاف "
3 - "
كنت أشدد في مسألة التفريق بين المجتهد والمتبع والمقلد "
4 -
كان يحارب "تصدي الشباب للإقتاء "
55 -
ولما قرأ الكثير من كتاب "الجامع في طلب العلم الشريف" لسيد إمام، قال:" هذا كتاب يجب أن يحرق، الشيء الذي لم يستسغه كثير من الجهاديين "
6 - "
كان اخياري للمتن المالكي مقصودا، لتكسير ما دأب عليه السلفيون من احتقار الفقه المذهبي "
7 - "
حاولت التخفيف من موجة التكفير "
 
وأنا أسمع لهذا الكلام، كنت أتساءل، هل كان وقتها مثلا يشرح الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أيضا في حلقاتهم؟ وهل كان يرى وقتها التشديد على محاربة الإرهاب والتطرف والغلو وكل هذه الأشياء؟ أو كان يأخذهم مثلا لجنازة رجل من الدولة، ويقول لهم هذا من إخوة المنهج ويصلون عليه جماعة دون أن يعلموا؟!
الأمر الذي يدعو إلى التساؤل عن نسبة الليبراليين في التيار الجهادي؟!!

منظومة حاكمة

23 أبريل 2017

منظومة حاكمة

1

كنت بالأمس في حوار مع أحد النبهاء، وجرنا الحديث تلو الحديث لتناول المنظومة الرأسمالية، والإشكاليات التي تحدثها في المجتمعات، وكان مما قلته حينها بأن النظرة التقليدية للفقه في مسألة الرأسمالية مثل أشعة إكس، لن ترصد كل المشاكل فقد نحتاج إلى أشعة أخرى للرصد.
 
خذ على سبيل المثال المسالة الفقهية التالية، ما حكم أن تجبر شخصا على العمل عندك وإلا آذيته وأسرته مقابل 20 دولار يوميا مثلا على عمل مباح.
هذا باطل لأنه لم يحصل باختيار العامل، حسن ماذا لو لم تكن أنت بعينك تجبره ولا ب، ولا ج ولا كل فرد رأسمالي، لكن مجموع الرأسماليين يجبرونه بعمل متوسطه مثلا في بلد 20 دولارا وإلا أوذي في نفسه وماله.
 
الأمر شبيه بقولنا عن واجب بأنه كفائي أي متى فعله البعض سقط الإثم عن الآخرين، ولكنه هنا بالمقلوب ومعقد أكثر فلا يقدر الفرد الرأسمالي بمفرده على استيعاب احتياطي العاطلين عن العمل وإن كان يشارك في صناعتهم، وفي نفس الوقت هو جزء من الإكراه الطبقي في تحديد الأجور وكذلك في الإجبار على العمل بالسعر والوقت المحدد.
 
ولكن من المسؤول هنا؟ الإشكالية في المنظومة نفسها، خذ على سبيل المثال التالي: يقال من أسباب صعوبة الزواج وبالتالي انتشار العلاقات خارجه والعنوسة إلخ.. ارتفاع المهور، هذا صحيح، ولكن من المسؤول عنه كفرد؟! الفرد نفسه قد يقول لو زوجت ابنتي بمهر قليل قد أؤذى من المجتمع فيقال هناك مشكلة وعيب، لذا قلل المهر، ليس الحل هنا أن تحاسب فردا في المنظومة أصلا أو تحمله وزر نتيجة مجموع المنظومة.
 
المشكلة بالمنظومة نفسها، كان للجويني في (الغياثي) مسألة افتراضية تكشف عن مشكلة المنظومة، يقول لو أن شخصا يمشي على سطع ووقع منه داخل بيت فيه مجموعة من المرضى، إن بقي فوق من سقط عليه قتله وان انتقل إلى غيره قتله وهكذا.
قال هنا يسقط التكليف فلا يؤمر ولا ينهى، إنه تنبه لوجود منظومة حاكمة لن تحل بالأمر الفقهي المجرد.
 
في المنطق القديم كان يقال هناك محمول وموضوع، الوردة حمراء، الموضوع الوردة والمحمول هو الحمرة، وهي تقوم بالوردة.
 
ولكن جرى الخروج عن هذا التقسيم الى قسم ثالث وهو العلاقات تقول الكتاب فوق الطاولة، فهذه علاقة بين الكتاب والطاولة، في إطار العلاقات بين الأشياء تتشكل منظومة، هذه المنظومة اجتماعية وليست فردية.
 
وهي التي يقال عنها حاكمة في النظام الراسمالي وتحتاج إلى تنبه.

2


العلاقات بين الأفراد وإن كان كل جزء منها على حدة قد يمرر فقهيا بأنه مباح، لكن مجمل العلاقات يؤدي إلى تحطيم قسم من البشر لحساب آخرين، يذكر ابن تيمية مثالا للمباح بقطع الكلأ لمصلحة الدواب فهو مباح، لكنه دون سبب يضحي من الفساد في الارض.
 
المنظومة الرأسمالية تقيم علاقة استغلال بين الأفراد وإن كان ظاهرها على حدة لا إكراه فيها، إلا أنه بمجملها تكره أكثرية لحسب أقلية تتجمع في أيديها الأرباح.
كثيرون حاولوا تغيير هذه المنظومة بطرق مثالية كالوعظ الأخلاقي، أو الهجوم العنيف على بعض مراكزها!.
 
فكان الحل الأول مثاليا مجردا بل نفسه خضع للمنظومة نفسها، فأضحى الوعظ برعاية شركة وقناة، وتخللته دعايات!.
 
أما الثاني فاتسم بالفوضوية، فخلخل الامن في بعض المناطق، ولم يصنع شيئا في الواقع، بل فتح سوقا لشركات الحماية والتأمين على الشركات، بيع وشراء خبرات الأمن مثلا إلى الهند من إسرائيل لتأمين المطارات.
 
وما يستتبع عمليات البيع والشراء من تقارب سياسي تفرضه حاجات ومصالح السوق، وفي السياق الآخر تحمل الشركات الراسمالية إلى الاغلبية التي تعاني من نير الاستغلال إلى جانب إلهائها وإشغالها بالعمل اليومي، والتفكير الاستهلاكي عبر أطنان الخطابات الدعائية.
 
إلى جانب كل هذا تحمل لهم إمكانية المعرفة، إمكانية استغلال وسائلها لفهم ما يلف بهم، ولكن هذا يحتاج إلى جهد كبير من العمل النقدي والتوعية لانتشال الناس إلى مربع الرؤية الصحيحة للواقع وهو عمل شاق وطويل، ويتطلب أشخاصا على كفاءة عالية في التفكير والعمل.

حول الموقف الرافض للفلسفة

 12 أبريل 2017

حول الموقف الرافض للفلسفة

1

بين فترة وأختها يطل علي سؤال أو استشكال من بعض الإخوة أكون قد تجاوزته بمراحل في كتابتي لمنشور، لا يعني هذا عدم أهميته بل يعني فحسب أنه تم تجاوز البحث فيه إلى ما بعده.
 
لكن بحكم الإضافات والمتابعات الجديدة تبرز بعض هذه الأسئلة أو الاستشكالات، ومن بينها: ما الحاجة إلى الفلسفة، وقد نهي عن التنطع، وقد كفيتم، والنهي عن البدعة ونحو هذا في محاولة للتزهيد بالفلسفة - في أقل الأحوال - حتى يصل إلى رفضها تماما بل والصدام معها باعتبارها كفرا ونحو هذا.
 
يجرنا المنطق الرافض للفلسفة لاستذكار أحد الانتقادات البائسة التي وجهت لأبي حنيفة، فأحدهم قال عن مجلسه: ذلك مجلس لا تسمع فيه الصلاة على النبي صلى الله عليه واله وسلم، إلماحا لعدم وجود أحاديث في ذلك المجلس.
 
في عدم تفريق بين مجلس للحديث، وآخر للفقه والاستدلال، ليس الأمر هنا دفاعا عن عين فقه أبي حنيفة، بل عن الفقه بشكل عام.
 
إن محاولات التزهيد بالفلسفة لو طردت إلى آخر نتائجها لنالت من علوم كثيرة، حتى نصل إلى الفقه نفسه، وقد حصل، فتجد من يزهد بكتب الفقه باعتبار أن العلم بالحديث قد يغني عن غيره، ثم تعجب من سقطات كبرى في الاستدلال عنده لضعف في جانب الأصول وعدم الارتياض بالمسائل الفقهية وتصورها.
 
لما نتحدث عن الفلسفة فهل نحن نتحدث عن ابتكار طريقة في التعبد حتى يقال عنها بدعة؟ هذا لا يصح تعميمه البتة، ومفهوم البدعة لا ينطبق على الفلسفة من حيث هي نظر عقلي يسعى للحقيقة، أو لنقد السائد، أو تغييره إلى شيء غيره.
 
إنما على قسم منها، خذ كمثال للتقريب فحسب: الشعر، هل يقال الشعر بحد ذاته بدعة أو سنة، أم يقال أي شعر منه الذي تعنيه لما حواه من كلام.
 
فالفلسفة ليست شيئا جامدا ولا دينا محددا حتى تقبله كله أو ترفضه كله، ومن عمم الذم لها كان مثل من يذم كل شعر وكل كتاب سوى القرآن والحديث.

2

إن الصف الرافض للفلسفة يتجاهل حقيقة تقول بأن الأفكار لا تستأذن أحدا، فكم من متأثر بفكرة وهو لا يدري عن ذلك، وتراه يفكر ويكتب محتكما إلى أركانها دون وعي منه بأنه خاضع لها، بل العجب إن كان يصرح بمخالفة أهلها!.
 
إنه خاضع لفلسفة من حيث لا يدري، على هذا النحو ستجد أقواما من المنتسبين للحديث والمعظمين لأهله قالوا بمقالات تخالف أهل الحديث، لعدم اعتنائهم بهذه الأبواب.
وبما أن الرافض للفلسفة لا يجامل في رفضه، يحسن تقبله لعدم مجاملته أيضا، نأخذ على سبيل المثال ابن قدامة المقدسي وهو من كبار علماء الحنابلة، ولكتبه احترام في الأوساط السلفية عموما، تجده يتناقض ويضطرب في تقرير مسائل عديدة تتعلق بالصفات الإلهية وحتى لا يقال بأن هذا كلام على عواهنه، وأنه دعوى انظر (لمعة الاعتقاد) فتارة تجده يميل إلى الإثبات كما فعل في كتابه (العلو) وأخرى إلى التفويض وإن حاول شارحه العثيمين أن يعتذر عنه إلا أن وقع في أخطاء لا يمكن حملها على التصويب من ذلك ما سطره في كتابه (الصراط المستقيم في إثبات الحرف القديم )، لماذا وقع بهذا وهو المنهمك بنصرة أحمد بن حنبل وما يعتقد أنه الحق والسنة؟ 
 
إن الزهد بالفلسفة تاريخيا حمل أقواما على ترديد بعض مقولاتها من حيث لا يشعرون، ولذا كان ابن تيمية بارزا في تركيزه على ضرورة تتبع المقالات الفلسفية وفهمها ومعارضة بعضها ببعض، لتنخيلها نقدا، وفهم آخر نتائجها المنطقية.
 
إننا نجد اليوم العديد من الأقوام الرافضين للفلسفة كلما احتاجوا لشيء منها عاجلهم الارتجال إلى أجوبة سبقهم بها جهم بن صفوان دون إدراك منهم لمآلات مقالاتهم، كم من مناظر اليوم للملحدين واقع بمقالات المعتزلة مثلا أو حتى ابن سينا ومن قبله أرسطو، الشيء الوحيد الذي يرفع عنه سيف الإلزام جهالة مناظره بالفلسفة، ويغتر بذلك ويحسب أنه بلغ المشارق والمغارب بحجته.

3

وهؤلاء الرافضون للفلسفة تماما، يقيمون حجتهم على عدم الفصل بين ديني ودنيوي، ثم يختزلون الديني بحكم شرعي، ويتجاهلون ما يتعاملون به يوميا من علوم تطورت خارج الإطار الديني أي هي دنيوية.
 
ولك أن تتخيل لو حكمنا منطقهم اليوم مثلا في الطب! ليضحي الطبيب بدل أن يكتب وصفة لدوائه، يكتب مجلدا في الأذكار والأحاديث.
 
ليس في هذا تهوينا من شأن الاذكار ولكن الذي يدفع الناس إلى تهوين شأنها من يزاحم الطب بعقلية تحتكم إلى طب العرب قديما في وجه كل المنجزات الطبية المعاصرة التي قضت على أوبئة أبادت أمما في زمن مضى، حتى قال بعض الفقهاء عن الطاعون مثلا بأنه لا علاج له! وهذا ليس من شأنهم كفقهاء.
 
فكيف إن علمنا أن الطب الحديث ولد مع تشريح الإنسان الذي تم خارج المؤسسات الدينية، ثم استقبلته وأساغته لنتائجه الملموسة.
 
إن الفلسفة لا ولن تتحرك كما يحسب بعضهم في جانب مسكوت عنه شرعا!، فذا لا يعنيها بشيء وليس من الفلسفة في شيء بل إنها الأعم من المعارف، وتبحث في ما لا يطاله العلم التجريبي، وكونك مسلما لك أن تصوب ما وافق الشرع من النظر العقلي لا أن تنقض على العقل لتحيله إلى التقاعد خوفا أن يضل فهذا الخوف يعارض بإمكانية أن يصيب.
 
ثم إن المسائل ليست كلها أحكام! بل فهمك للواقع بأي منهج هو، فالشرع حكم على الواقع لكن الواقع بأي منهج ستدرسه ولماذا ترجح المنهج الفلاني على غيره، هنا تاتي الفلسفة ودراسة المناهج واستبطان أيها أقدر على فهم الواقع وعكسه كما هو.
 
ومن أنكر الفلسفة رأسا دون فهم لمجالاتها ومباحثها كان حكمه فيما لا يحسنه، وليس أهلا للحكم عليه.

مودتي.

بالنسبة لكتاب: (ماذا قيل يومًا في أفغانستان)

 11 غشت 2017

بالنسبة لكتاب: (ماذا قيل يومًا في أفغانستان) 

فقد أحدث امتعاضًا من البعض، ومديحًا من آخرين سعدت لرأيهم، على أي حال، سبق أن قلت الآراء الشخصية هذه لأصحابها، لا أستدل بها ولا عليها، النقاش يكون مع النقد المقدم للكتاب، ومع ذلك سعيت لإعطاء الكتاب لمن يخاصم سطوره، بل لقد طلب بعضهم شيئًا من المراجع المذكورة في الكتاب ليتحقق بنفسه مما فيه وبعثتها إليه، وانتظرته ليرد، حتى نطق فدار كلامه في باب واحد وهو سياق الحجج بنفس المقياس مع اختلاف درجاتها، كذكر شخصيات غير محبوبة له مثل نبيل نعيم، وسيد إمام، بعض المنفعلين قال تحتج بشخصيات غير ثقات!.. فسأسلط الضوء سريعًا على هذا:
في تحقيق في أي حدث، قد لا تلعب (الثقة) في الراوي أو الشاهد أي وزن إلا بمقدار تطابقها مع الأحداث، وضرورتها تكمن في إعطائها تفسيرًا لبعض الأحداث المتناقضة، إن الأمر أشبه بلعبة (البازل) حيث تتطابق الشهادات دون وجود اتفاق بين الرواة أو الشهود، وليس بالضرورة أن تكون هذه الطريقة معتمدة في (علم الحديث) فهذا مبحث تاريخي، وقد قال ابن حجر يومًا في سيف بن عمر التميمي: "ضعيف في الحديث، عمدة في التاريخ"، فكيف ونحن هنا أمام أحداث تاريخية ساهم كثيرون بتغييرها، ونحتاج إلى إعادة إحيائها وتمثيلها في صفحات.
على سبيل المثال، حصل خلاف مع الظواهري وعزام، كيف نعرف هذا؟ نعرفه بأن الظواهري اطلع على كتاب الجامع في 1994 ومدح الكتاب، ثم في 2007 قال بأن الكتاب فيه قصد لذم عزام! الأمر الذي امتعض لأجله سيد إمام وقال له: أنت كنت تعيب على عزام علنًأ.
ثم نجد ابن عزام (حذيفة) يقول: إن الظواهري وسيد إمام أصلا أصدرا بيانا فيه ذم لأبيه، هنا تأتي شهادة نبيل نعيم وكان مقربا حينها من الظواهري ليقول بأن الظواهري كان يختلف مع عزام بسبب رجل اسمه أبو مازن بشكل كبير.
تذهب وتعرف ان أبا مازن بحق مذكور حتى في وصية عزام.
ثم يتبين أنه بحق من الاستخبارات السعودية.. إلخ.
هذا كله فيه تطابق، لم أعتمد روايات نعيم مثلا في آرائه السياسية، ولا في ذكره لبعض الأحداث التي لم يكن جزءا منها، أو بعض المبالغات التي لا أرى أي حدث يسعفها وهي كثيرة: مثل أنهم طلبوا رأيه في كتاب الجامع! هذه لا أصدقها، ولا أرى صحتها لعدم تطابقها مع السياق والظرف.
ولا يوجد اتفاق بين الإخواني: حذيفة عزام، ونبيل نعيم الذي ينحاز إلى السيسي، مع سيد إمام الذين يكفرهم جميعا!
أما كونه لم يتطابق قوله مع حدث فهذا مع أكثر المذكورين في الكتاب، من ذا الذي كان دقيقا منهم؟ عزام نفسه ينفي وجود أي سلاح وأي معاشات من الدعم أمريكي ولم يكن صادقا بهذا، استمر بهذا حتى 1987، علما أن صواريخ ستنجر كانت بدأت بالوصول قبل ذلك بسنة، وصار الأمر معروفا، حتى إن إيران نفسها تدخلت مرة واعتقلت بعض المقاتلين الأفغان وصادرت ستنجر منهم..
نحن هنا أمام تطابق شهادات مع الأحداث التاريخية، وليس محض رفض لشهادة شخص لأنك لا تثق به، فالمحقق لا يثق بكل المتهمين ومع ذلك يعنيه اعترافاتهم المتطابقة.

السادة الفقهاء.. عذرًا الزموا حدّكم!

 24 يوليوز 2017

السادة الفقهاء.. عذرًا الزموا حدّكم!

كثيرون يحسبون أن الفقه بمقرراته سيحل مشاكل المعمورة، هكذا يرون الأمر، وهكذا يتم تسويق الأمر، وهكذا يتعامل المستفتون مع من يرونه فقيهًا، يسألونه أسئلة في علم النفس، في الاقتصاد، في السياسة، في أي شأن، وهو يجيبهم بالأحكام التي يراها، بعضهم يسأل ((الشيخ)) ليرتاح نفسيًا، ليشجعه (مولانا)، وليحفزه، أو ليخفف عنه!.
بعيدًا عن الدروشة التي تلف العديد من الصور، فإن كثيرين من السادة الفقهاء لا يعرفون حدّهم، وبالتالي يتدخلون في كل صغيرة وكبيرة، ومن هنا يجب مصارحة الناس بعدة نقاط:
1.   لا يمكن استخراج برنامج سياسي (واحد) من كتب الفقه.. كما أنك لا يمكن أن تستخرج مشروعًا اقتصاديّا من متون وشروح الفقه ؛ تستخرج أحكام الشرع في المشروع، أما المشروع نفسه فهو خارج إطار المقررات الفقهية، كذلك الجانب السياسي، وبالتالي لا يمكن أن تقول بع أو لا تبع لسلعة معينة في وقت معين، من كتب الفقه، فهذه الموازنة ليست من شأن الفقيه، وكثير من المسائل السياسية من هذا الجانب، تخضع للموازين وللأولويات المصلحية، ومن يقحم الخيارات السياسية بمجرد ما يراه في كتب الفقه فهو كمن يريد البيع والشراء والاستيراد ونحو ذلك من تلك الكتب!.
2.    في الجانب السياسي، الكثير من السلوكيات السياسية لا يتعرض لها الفقه البتة، بل هي من جنس تدبير الحروب، إنما هي خبرات تراكمية يشترك بها البشر، والنظريات السياسية تتزاحم فيها وجهات النظر، وتختلف فيها المواهب والتعبير عن مصالح الطبقة التي تمثلها، فكما تجد في المشاريع الاقتصادية ما هو مدر للربح على المشاركين فيه، وآخر مغامر، وآخر يحطم من شارك فيه فإن من الخديعة للناس إيهامهم بوجود مشروع واحد!، اسمه مشروع إسلامي في السياسة، والحديث هنا يتجاوز التوقف عند الأحكام الشرعية في السياسة، إلى المشاريع نفسها.
3.    الحكم بجدارة مشروع سياسي معين ليس من شأن الفقيه، فهذا يتطلب معرفة سياسية، وقديمًا كتب ابن القيم ردًا على من لم يجوّز بيع المغيبات في الأرض بحجة أنه غرر بقوله:
"
وقول القائل: " إن هذا غرر ومجهول " فهذا ليس حظ الفقيه، ولا هو من شأنه، وإنما هذا من شأن أهل الخبرة بذلك". (أعلام الموقعين)
فلاحظ كيف وضع للفقيه حده، لا يتجاوز فيه غير ما يعلم به، وكذلك يقال هنا بأن الحكم بعدم جدارة مشروع سياسي، من جدارة آخر، ليس حظ الفقيه، ولا هو من شأنه.

مودتي!.

محمد بن عبد الوهاب ليس إماما ولا مجددًا..

 7 يوليوز 2017

محمد بن عبد الوهاب ليس إماما ولا مجددًا..

عندنا مثل يقول إما أن تجلس معوجًا وتتكلم بكلام مستقيم، أو تعكس الأمر، أما تجمع بينهما فلا يقبل!، على أي حال الأخ الذي مازحناه لم يفرق بين المزاح والجد، لا إشكال في الأمر، لكنه علّق بكلام وصفه بأنه لا تعقيب له بعده، فليكن، وأعجبني حديثه عن (السلفية المعاصرة) المصطلح الذي يحتاج تفكيكًا بدل استعمال ديكتاتورية سلطته المبهمة، ليضحي أشبه بالتصنيفات الأمنية منه بالتصنيفات العلمية، واستدل بكلام لابن عثيمين، فلا أدري هل هو من الإلزام لغيره (وليس بلازم)، أم الالتزام به وهو داخل في المربع الأمني (السلفية المعاصرة)!، المهم كلام ابن عثيمين يدور حول كون لقب الإمام على ابن قدامة فيه تساهل بحجة أنه ليس كالإمام أحمد والشافعي، طبعا وأخذ هذا الكلام وكأنه نص منزل، ليقول بعدها: "ابقى بص بصة على ترجمة (الإمام) ابن قدامة، عشان تتكسف على دمك من وصف مشايخك المعاصرين بالإمامة "، فها هو يمازحنا، فعلام يتثاقل من مزاح في سؤاله عن سنه؟!.
وبعيدًا عن دوار البحر، الذي يغشى من لا يتعود على موج البحار، يقال:
أما لقب الإمام فليس حكرًا على الأئمة الأربعة، حتى يقال من أطلقه على غيرهم تساهل، بل الشرع أطلقه على من أم الناس في الصلاة، ومن أمهم في سياسة دينهم ودنياهم، ومنه يقال: (الإمام) عن الخليفة أو ولي الأمر، ولا يقال هذا فيه تساهل لأنه ليس كأبي بكر وعمر!.
والمطالع لكتب الفقه يجدهم كثيرًا ما يقدمون الفقيه بأنه إمام ونحو هذا، ولا يقال فيه هو ليس كالشافعي، فابن قدامة حنبلي المذهب، وهو يعرف أنه تابع للمذهب، فأي اكتشاف في القضية؟! وبالعودة إلى محمد بن عبد الوهاب، فقد كان حنبليًا ولم يزعم أنه مجتهد، أو أنه يؤسس مذهبًا آخر، فعلام إذن الحذلقة بالموضوع؟ 
ومن أطلق هذا الوصف عليه هل قصد أنه أعلم من الأربعة؟ أم هذا مجرد حشو من هذا الرجل فحسب؟.
قال تعالى عن فرعون وقومه: (وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار)، قال الطبري: "يأتمّ بهم أهل العتوّ على الله والكفر به، يدعون الناس إلى أعمال أهل النار".
فلما نأتي لابن عبد الوهاب، ونرى أئمة القبائل يدعون إلى شرع العشائر ولو خالف شرع الله، ويدعوهم هو إلى شرع الله، ويأتم به أهل الخير، يقال شرعًا ولغة وعرفًا هو إمام لهؤلاء المحكمين للشرع المطالبين بأن يسود، لمّا يأتم به من حاربوا المنكرات والطواف حول القبور والتمسح بها، والنذر لها، ممن يتحرجون الحلف بصاحب القبر كذبًا، ولكنهم يتساهلون بالحلف بالله كذبًا، وقد نصبوا سدنة يأكلون أموال الناس في هذا، و يخوفون العامة بالأسياد، ومدد الأكابر، وابن عبد الوهاب يخوفهم بالله، لكل إمام، فعلام يمتعض الرجل إذن؟ لأنه ليس كأحمد! ومن زعم له هذا عفوًا، ألم تعب على من سميتهم بالسلفية المعاصرة أنهم يطلقون الألقاب دون حساب، فدونك البينة، فمن قال منهم أنه كالأئمة الأربعة!؟ وعلى فرض هذا جدلا وجد في شخص وأكرر جدلا، فعلام التعميم، و(الحرقان) بتعبيره على (السلفية المعاصرة).
وكل من اقتدى الناس به، ورجعوا إلى قوله، وجعلوه المقدّم فيهم فهو إمام، فذلك إمام في التوحيد، وذلك إمام في رخص النمص ونحوه، ولا إنكار في لقب الإمام في هذا السياق.
أما لفظ التجديد، فلو حذفنا من سيتم تصنيفهم بالمصطلح الذي يكثر منه وذووه، وذهبنا إلى خصوم محمد بن عبد الوهاب، ليصفوا حال نجد قبل دعوته، فماذا تجد؟ يقول المرجع الشيعي جعفر كاشف الغطاء في رسالته إلى عبد العزيز بن سعود:
"لا شك أن أهل نجد وأعرابها قبل أن تظهروا فيها أمر الصلاة والصيام، وتأمروهم بالملازمة لعبادة الملك العلّام، كانوا كالأنعام أو أضل سبيلاً، وفد رفع الله عنهم الشقاق، وحصل بينهم الاتفاق، وفرّقوا بين الحلال والحرام، وتوجهوا لأوامر الملك العلّام ".
(
منهاج الرشاد، ص 58.)

فماذا نعمل، هكذا كان مستوى أئمة الدين في ذلك الزمن، كمحمد بن عبد الوهاب، ممن لا يعجبون هذا الرجل، وعذرنا المقدم إليه، أنه لم يكن حينها برنامج الآسك منتشرًا، وإلا لقلدوكم الفتيا، للتفنن في بيان علة النهي عن النمص، أو ما رأيكم في ابن عبد الوهاب نفسه.

الكسب

6 ماي2017

 الكسب

الإنسان إرادته لا تؤثر في فعله، ولا فعله يؤثر في الواقع، ولا يؤثر إلا الله، ويقول البيجوري إنه مجبور باطنا مختار ظاهراً.
كل ذا ويقول لك أثبتنا الحرية = حاجة اسمها الكسب.
الأشياء لا تؤثر ببعضها، ولا يوجد في العقل قدرة على رؤية الحسن والقبيح، ويقول لك أثبتنا الأسباب!.
العقل لا يحسن ولا يقبح مع أن أخص خصائصه التمييز، ويقول لك عقليات!
الرؤية يأتيك فودة ويقول لك هي الإدراك والعلم، وفجأة المعتزلة أولوا الرؤية!، إنهم خالفوا أهل الحق.
القرآن يقول لك الذي نقصده هو المعنوي وليس اللفظي، اللفظي ضعه في جنب، المعنوي، كله معنى واحد قائم بالنفس، وبعدها يقول لك قلنا القران غير مخلوق.
الله لم يكن رازقاً ثم صار رازقا = هذا لا يخالف التنزيه!.
الأشعري 40 سنة معتزلي، ويطلع على المنبر ويكفر نفسه، ويقول إنه دخل الإسلام! وبعدها يقول لك: من مشايخكم؟!
المعتزلة الشيعة الباطنية ابن رشد، لم يوجد أحد إلا رماهم بالتشبيه والتجسيم، وكان القاضي عبد الجبار يسمي شيخهم: ابن أبي بشر.
ثم بعد هذا كله، يأتون ليقولوا لغيرهم ما قيل لهم عبر التاريخ..
ولما تدور الدائرة عليهم يصيحون (شكاية أهل السنة)!.
الإله لا يتحرك، وفقط الذي يتحرك هي التعلقات هذه التعلقات ما هي = ذا أشد من سر التجسد في اللاهوت، ومع ذلك يقول لك إبستملوجيا محلقة فودة.

عفواً أنا لا أسيء لمذهبك صديقي، لا أرى لك ما يقال له مذهب؟! هناك مقولات مضروبة بمولينكس، قليل من مخلفات الـ 40 سنة!.
والباقي عفوا كم عاش الشيخ الجليل رحمه الله بعدها؟