3.16.2017

ابن تيمية لا يقول بمعارف قبلية تسبق التجربة

 

27 يناير 2017

ابن تيمية لا يقول بمعارف قبلية تسبق التجربة 

1

يأتيك من لا شأن له بهذه البحوث، ليرد عليك: لكن ابن تيمية أثبت الضروريات!، يقال له: يعطيك ألف عافية، على يدك اليمين هناك وسادة، استرح، قهوة أم شاي؟! لا شأن لك بهذه البحوث إذن أعرنا سكوتك..
طيب، نرجع للموضوع..
ماذا يقول ابن تيمية؟
 
يقول: " العلم له طرق ومدارك وقوى باطنة وظاهرة في الإنسان، فإنه يحس الأشياء ويشهدها، ثم يتخيلها ويتوهمها ويضبطها بعقله، ويقيس ما غاب على ما شهد "
يحس و يشهد..
(ثم) ثم هذه للترتيب.
يتخيلها ويتوهمها ويضبطها بعقله.
 
يأتيك المبتكرون على لسان ابن تيمية ليكتشفوا أنه يقول بوجود معارف " اتصفت بالكلية والضرورة، فهي مغروسة في العقول البشرية منذ خلقها الله " (علمًا أن هذا نسخ ولصق عن كانط) 
فيقال: معارف (كلية)، قبل أي تجربة مغروزة في العقل، ماذا يقول ابن تيمية نفسه؟
ابن تيمية يقول:
"
ولا ريب أن الحس يدرك المعينات أولًا، ثم ينتقل منها إلى القضايا العامة"
يعني عندك معينات، تنتقل عن طريق الحس.
 
ولاحظ (أولًا) إذن لم أخترع شيئًا جديدًا إنما أعدت الأمور إلى نصابها، ولم أبتكر على لسان الرجل، ثم يحصل التجريد العام بعد هذا!، فالمعينات تسبق الكليات، ولا توجد كليات قبل هذا في العقل، كما هو زعم أصحاب الابتكار المزعوم وهذه كتب ابن تيمية، أين قال هناك كليات في العقل قبل المعينات، لكنها ابتكارات ساذجة من مدمني (النسخ واللصق) يقرأون بالمقلوب.
طيب، المعارف القبلية التي تزعم أن ابن تيمية قال بها مثل ماذا يا فضيلتك؟
- (
مبدأ عدم التناقض).
يعني يفترض أن نجد في كتب ابن تيمية نصاُ يقول إن هذا المبدأ قبل أي تجربة، لكن ماذا نجد؟ 
يقول ابن تيمية:
 "
ومن المعلوم أن العقل إذا جزم بامتناع اجتماع الأمرين أو امتناع ارتفاعهما سواء كان أحدهما وجودًا والآخر عدمًا وهو التناقض الخاص أو كانا وجودين فإنا نعلم ذلك ابتداءً بما نشهده في الموجودات التي نشهدها"
لاحظ (نعلم ذلك ابتداءً ) = نعلم قانون عدم التناقض بما نشهده من موجودات! ليس لأنه مغروس في في العقل في تاريخ مجهول!
ماذا نسمي إذن من قال بأن هذا القانون عند ابن تيمية قبلي، موجود قبل أن نشهد أي شي؟ ونسبه إليه؟
لماذا هذا يا ابن تيمية! ماذا تقول، يقول: " الإحساس هو موجب العلم الصحيح".
يا رجل القبليات فيها كليات!
يقول ابن تيمية:
" "
الكليات في النفس تقع بعد معرفة الجزئيات المعينة"
يا رجل! هون عليهم ماذا تقصد؟
يقول ابن تيمية:
"
خاصة العقل معرفة الكليات بتوسط الجزئيات"
يعني كل كلي مسبوق بتوسط جزئي!
وهذا الجزئي نقل عن طريق الحس.. أين هذا مما يقولونه؟
يقول:
"
الكليات إنما تصير كليات في العقل بعد استقرار جزئياتها في الوجود "
يعني هو الأخ كتب بحثًا بالمقلوب؟!، لعله قرأ كتب ابن تيمية من الشمال إلى اليمين!؟
 
يقول لك من خصائص القبليات أنها كلية، وابن تيمية عنده ما يوجد كلي في العقل أصلًا قبل استقرار المعينات في الوجود، التي ينقلها الحس قبل أي كلي عقلي.

2

المبتكرون على لسان ابن تيمية، اكتشفوا نصًا رهيبًا، يحطم كل هذا، إنه يثبت أن هناك معارف قبلية عنده!.
ماذا يقول هذا النص؟
 "
البديهيات - وهي العلوم الأولية التي يجعلها الله في النفوس ابتداء بلا واسطة مثل الحساب وهي كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين"
-
يا سلااااام، واضح نص يعني في الصميم، علوم أولية! يعني قبلية، ولاحظ ابتداء، بلا واسطة!
 
طيب، هذا العمل لن أسميه تدليسًا حتى لا أعكر مزاجهم الوردي، لكن لنقل سوء فهم، ليس جديدًا عليهم، سوء فهم.
لماذا؟ لأن الواسطة المقصودة هنا تعني (الدليل).
وابن تيمية يقول:
"
والدليل هو وسط في الذهن للمستدل ليس هو وسطًا في نفس ثبوت الصفة للموصوف"
لاحظ (وسط).
ويقول:
 "
وكونه بينًا للانسان وغير بين ليس هو صفة الشئ في نفسه، وإنما هو إخبار عن علم الانسان به وتنبيه له فهو إخبار عن الوجود الذهني لا الخارجي."
وهذا يعني عنده كما قال:
"
كون القضية أولية أو غير أولية فرق إضافي بحسب أحوال الناس"!
يعني ما لا يحتاج إلى وسط (أو دليل) يكون ظاهرًا عندك، وقد لا يكون عند غيرك..
 
إذه هنا يتحدث عن عملية استدلال ذهنية، في تصور أولية مثل أن الواحد نصف الإثنين، وليس في هذا اي إشارة إلى أن هذه الأولية سابقة على الحس، بل الطريف، الدامغ لهذا الادعاء مقارنة سريعة بين نصين!، لنرى حال من استدل بهذا النص ليقول ابن تيمية يقول بقبليات تسبق الحس:
1 = " البديهيات - وهي العلوم الأولية التي يجعلها الله في النفوس ابتداء بلا واسطة مثل الحساب وهي كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين".
وهي كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين..
مقارنة سريعة:
2 = " " حتى مثل علمه بأن الواحد نصف الإثنين، وأن الضدين لا يجتمعان: هو في ذلك كله قد أدرك بحسه ذلك في بعض الأجسام والأجساد والألوان المتضادة، وعقل ما لم يحسه مثل ما أحسه في ذلك، وأن الحكم لا يفترق: واحد وواحد، جسم وجسم ولون ولون، وضد وضد: يحكم بذلك حكمًا عامًا كليًا.
حتى الواحد نصف الاثنين تم إدراكه بالحس، (ثم) حصل تعميم ما أحسه على ما لم يحسه، وتم التعميم بصيغة كلية، أن كل واحد نصف اثنين، والكليات مسبوقة بالجزئيات! فحتى هذه بعد التجربة.
يقول ابن تيمية:
" الاعتبار بالنظر والقياس، وإنما يحصل العلم به بعد العلم بالحس، فما أفاده الحس معينًا يفيده العقل والقياس كليًا مطلقًا "
بـــــــــــــــعـــــــــــــد العـــــــــــلـــــــــــــم بالحـــــــــــــــــــــس (لاحظت)!
وما قيل بأن الواحد نصف الاثنين لا يحتاج إلى استدلال فهو بديهة، هذا يتفق معه أشد الماديين في التعريف فيقولون (النقل هنا عن ماركسيين):
"البديهة 
قضية في أي نظرية علمية مبنية على نحو تؤخذ منه هذه القضية كنقطة بداية، لا يتعين إثباتها، بالنسبة لهذه النظرية، وتستنبط منها أو من مجموعها بقية القضايا قضايا النظرية طبقًا لقواعد مقررة "
 
واضح؟ يعني حتى الماركسي ما ينكر البديهة، فما تحتاج حذلقات الأمور وإلازامات ليست في مكانها!.
ولما تكلم إبراهيم عقيلي أجاد جدا لما وصف ابن تيمية بقوله: ""العقل في نظره إنما يكتسب معلوماته من الواقع، فهو لا يحمل معلومات قبلية ".
 
هذه أصاب فيها الرجل، وليس كمن يبتكر ويرمي ابتكاره على لسان ابن تيمية!

عن النظرة الواقعية الإلهية عند باقر الصدر

 

1 يناير 2017

عن النظرة الواقعية الإلهية عند باقر الصدر

1

كتب العديد من المعاصرين في نظرية المعرفة وما يتصل بها من النظرة إلى الوجود، ويظهر في كثير من ما كتبوه ذلك الحرص على تجنب المادية في نظرياتهم بل ومصادمتها لإنقاذ تصوراتهم الدينية، لتغلب عليهم محاولات التوسط، أو الحلول الاعتباطية في التعامل من المسألة الأساسية في الفلسفة، ليترنحوا بين المثالية والمادية أحيانًا، أو ينحازوا إلى المثالية بشكل صريح مع تغيير في المصطلحات، مع إبقائهم على محتواها، في تجاهل للحرب على المثالية التي أعلنها ابن تيمية، ومن سبقه كذلك، أو تجاهل ما قرره المثاليون أنفسهم الذين زعم هؤلاء الكتاب بأنهم يخالفون أطروحاتهم،أو أنهم يطرحون حلًا مختلفًا عما سبق تقريره من المثاليين.
 
ومن الأمثلة على ذلك ما سطره محمد باقر الصدر في كتابه (فلسفتنا) للرد على المادية بشكل أكبر من غيرها، ويبين الصراع بين المادية من جهة، وما سماه بالإلهية من جهة أخرى، ليخلص إلى وجود فلسفة واقعية غير الواقعية القائمة على الأساس مادي، ويجعلها حلًا مختلفًا عن المادية والمثالية فيقول:
"
بين أيدينا مفاهيم ثلاثة للعالم: المفهوم المثالي، والمفهوم الواقعي المادي، والمفهوم الواقعي الإلهي ".
وليخفي مثاليته، يحاول حصر المثالية هنا في المثالية الذاتية، التي تجعل "الأنا هو الأساسي" ، فما هي النظرة الواقعية الإلهية؟ 
يقول:
 "
المفهوم الواقعي الإلهي الذي يعتقد بواقع خارجي للعالم والطبيعة، ويرجع الروح والمادة معًا إلى سبب أعمق فوقهما جميعًا."
إن " الفلسفة الواقعية تؤمن بواقع خارج حدود الشعور والذهن " ، لكن ما هذا الواقع عند الصدر هل يمكن الإحساس به، أم هو مجرد لا يمكن الإحساس به؟
أليس هو نفسه لما تحدث عن مثالية أفلاطون الذي أعاد الوجود إلى المثل، قال:
 "
كان أفلاطون فيلسوفًا مثاليًا، ولكن مثاليته لم تكن تعني إنكار الحقائق الملموسة.... غير أنه ذهب إلى أكثر من ذلك، فاعتقد بموضوعية الإدراكات العقلية التي هي أعلى درجة من الإدراكات الحسية ".
فبماذا تختلف فلسفته التي يسميها الواقعية الإلهية عن مثالية أفلاطون إذن؟!
 
لقد ذهب الصدر بدل الإجابة عن أمثال هذا السؤال، إلى تشويه مذهب خصمه ليسهل عليه نقده والتندر بإلزاماته، فيقول في تصوير المادة في الفلسفة المادية:
 "
المادة إذا كانت تعبيرًا مساويًا للواقع الموضوعي المستقل، وكانت خصيصتها الوحيدة اللازمة لها هي موضوعيتها ووجودها بصورة مستقلة عن وعينا، فالفلسفة الميتافزيقية الإلهية تكون فلسفة ماديّة تمامًا باعتبار هذا المفهوم.... فالفيلسوف الإلهي الذي يؤمن بما وراء الطبيعة يقول نفس الكلمة تمامًا عن العالم.... وليس المبدأ الإلهي الذي تعتقد به الفلسفة الميتافيزيقية إلا واقعًا موضوعيًا مستقلًا عن وعينا."
 
فبمجرد أن يزعم أن المبدأ الإلهي عنده مستقلٌ صار وجوده موضوعيًا بهذا، وبالتالي يلزم منه أن تكون فلسفته واقعية تضاهي الواقعية المادية، على أنه يغفل عن قول الماديين بأن الوجود الموضوعي ضابطه أنه يقبل الحس! لينفصل عن المثل الأفلاطونية، وما نحا نحوها، فحتى يلزم خصمه يفترض أن ينقل كلامه ويتصوره كما هو، لا أن ينسب إليه ما يسهل عليه إلزامه به، فيقول بأن الخصيصة الوحيدة هي استقلال الواقع عن وعينا، فأين كلامهم عن كون يقبل الحس؟.
إنه يرجع الطبيعة والروح إلى سبب يصفه بالأعمق، ذلك الذي يقول فيه:
"
وجود الله تعالى لا يمكن التعرف عليه بالحس والتجربة ".
 
إنه محض تجريد لا يقبل الحس، مثل مجردات أفلاطون، وإله أرسطو، والصدر نفسه يقول بأن أفلاطون قال بموضوعية الإدراكات العقلية، مع أن أفلاطون يزعم أنها مجردة مستقلة تمامًا عنا، وليست مجرد أفكار لذهنه، فبماذا يفترق عنه وهو يرد الواقع إلى مجردات لا تختلف عن المثل الأفلاطونية إلا بالأسماء؟.
وهو القائل: " إن التلاعب بالألفاظ لا يجدي شيئًا "، فيتلاعب هنا مسميًا مثاليته بالواقعية، وكما قال إنجلس:
"
التلاعبات في أصل الكلمات تؤلف آخر مخرج للفلسفة المثالية".
 
وليصل إلى ذلك المجرد الذي لا يقبل الحس، ويرد الواقع المحسوس إليه، سينطلق من أسس عقلية لا تمر عن طريق الحس، كما فعل أسلافه المثاليين، يقول الصدر:
 "
الدليل الفلسفي هو الدليل الذي يعتمد لإثبات واقع موضوعي في العالم الخارجي على معلومات عقلية (المعلومات العقلية هي المعلومات التي لا تحتاج إلى إحساس وتجربة )".
 
وما سمح به الصدر في فلسفته من رؤية للواقع والطبيعة ما هو إلا عدم اتساق مع رؤيته المثالية في رد الكون الى المجرد اللا محسوس، كما هو حال الأكويني، ومن قبله أرسطو.
وليتوصل إلى تلك المجردات، يقفز عن الحس، ليقول:
"
تستخلص النظرية الفلسفية من المعارف العقلية القبلية " .

2

نظرية الصدر الواقعية! تمتد إلى اعتباره لـ(المهدي) كما هي الرؤية الشيعية فكرة واقعية تمامًا، فيقول: " لم يعد المهدي (عليه السلام) فكرة تنتظر ولادتها، ونبوءة نتطلع إلى مصداقها، بل واقعًا قائمًا ننتظر فاعليته وإنسانًا معنا يعيش بيننا بلحمه ودمه نراه ويرانا".
 
ويكرر فكرته عن المعارف السابقة على الحس ليتجاوزه، فيقول لتسويغ واقعية فكرة وجود ذلك الإنسان "الذي بلغ عمره الشريف فعلًا أكثر من ألف ومائة وأربعين سنة ".
 
بقوله:" لا يوجد لدى العقل وفق ما يدركه من قوانين قبلية – أي سابقة على التجربة- ما يبرر رفض الشيء والحكم باستحالته."
 
فهذه هي واقعيته التي تزاحم الرؤية المادية والتي يفترض بالمادية أن تتوسع لتصل إليها!.

3

هذا ما يتفضل به الصدر لإعلامنا بضرورة استيراد مولود قبل أكثر من ألف سنة!.. يفترض أن نستورد من هرب من دولة عباسية من ذلك القرن في عصر السيف والرمح والقرطاس والقلم، واستتر، ومن يومها يظهر أنه في كربة، ويقولون عجل الله فرجه!، لكنه سيظهر لربما في عصر الدول النووية بكل بسالة ويقول ها أنا ذا.
إن النواح الذي يعقده هنا الصدر يذكرنا بكلمات نيتشه عن القساوسة، لا يمكنهم أن يقولوا شيئًا خارج العقل والمنطق، إلا بالنحيب على مآسيك!، واللعب على دموعك.
إنه يطرح تصورًا دينيًا بحد وصف ماركس: بحر الدموع!.. هذا البحر من الدموع يفترض بالسامع أن يسلم نفسه إلى غسيل الدماغ الذي يطرحه الصدر.
على فكرة يقدر يطلب بحق اللجوء السياسي في أفخم دولة أوربية!، يعمل حساب على تويتر، يعمل أي حركة...
إنها النظرية (الواقعية الإلهية) كما يحلو للصدر تسميتها.

4



في جواب عن سؤال لماذا لم يظهر مهدي الشيعة طول فترته السابقة التي تجاوزت ألف سنة، رغم أنه حي يرزق بنظرهم، يقوم الصدر بنسخ ولصق من كتب المادية الجدلية ويحدثنا عن ظروف موضوعية للثورة، وكأنك تقرأ لماركس عن التغيير الاجتماعي!.
طيب اعمل حاشية وضع المصدر بأنه مسروق من كتب الماديين الكفرة!.
 الحقيقة أطرف نص مر معي من فترة.

سهرة مع بعض الفلاسفة

 

12 نونبر 2016

سهرة مع بعض الفلاسفة

1 سهرة مع نيتشه

 في عتمة الليل استيقظ شبح ذلك المجنون الحكيم، ليقطع غليّ خلوة تفكير، لم يستأذن ليشارك بل ضحك ساخرًا من بعيد، ما بك نيتشه ما الذي يجعلك تبتسم؟ - لقد تعودت ألا أكون مقيدًا بترتيبات الإتيكيت الشكلية، عنّ لي الابتسام فتبسمت، ثم إن الابتسام تعبير عن النفس وليس علاقة متبادلة حتى تسألني متى أتبسم..
 
ليست قضية كبرى حتى تفلسفها، لكن لا أخفيك، معجب بأنك تقتحم الخلوات قهرًا ما سر ذا بنظرك؟ قال: القضية سهلة، لم أكتب بطريقة الفلاسفة، بل كتبت بطريقتنا نحن كبشر، لا بطرق العرض المدرسي، ليتقيأ بعدها أحد المدرسيين الجامدين بهنا مغالطة وهناك مصادرة، قلت ما أفكر به وأشعر به، كتبت لنفسي لم أكتب لأقنع أحد، ولا يعنيني أن يقتنع بي أحد.
إي ألاحظ أسلوبك الشعري الجميل، حتى قرأت ديوانك نيتشه، لكن الصدق نثرك كان أجمل.
 -
فليكن لك وجهة نظرك هذه، إجمالا في النثر لا أتقيد بقافية ولا باقي كل هذا، الأمر شبيه بالنظم عبر الشتات، كأنني أقول:
أنا فوضوي والنظام كرهته، بل إن نظمي كائنٌ بشتاتي..
 
الكتابة بهذه الطريقة ستجلس مع القارئ بعد حين، لو تلاحظ أمرًا أكثر، ما يقطع على المرء خلوته شعر يدندن به، أو لحن يترنم به وحده، لماذا؟ لأنك لا تريد أن ترهق نفسك بسماع محاضرة وقت الجلوس مع نفسك، بل تريد ما يتغلغل داخلك ويتحدث دون كلمات، من هنا كنت أمتدح الموسيقى دومًا إنها التي تخاطبنا وتتحدث معنا دون أن تزعجنا بحرف واحد نرهق أنفسنا بما وراءه!.
 -
أشعر أحيانًا وأنا أقرأ لك بأنك حزين لكنه حزين غريب حزن دون شكوى، كأنه تعبد وأنين داخلي، هل صدق ظني في هذا؟
 -
الحزن أصدق من غيره، الحب مثلًا متبادل، يصعب جدًا أن نحب شيئًا لن يشاركنا أي شيء، بخلاف الحزن إنه تفرد، إنه حاشرك قهرًا إلى محراب الخلوة، في الحزن بشكل عام لا نحب أن يشاركنا فيه أحد، بخلاف الفرح تجلس واحدًا إن كنت صادقًا مع نفسك، تفكر دون تفكير، وتتجرع كل لحظة بنكهة سكر صوفي، بالمناسبة ذممت الكحول مرات..
 
إي كنت سأسألك عن هذا، كيف تذم الكحول أيها الملحد العنيد، كيف تفلسف هذا! لم أحب يومًا أن أنسى!، ولا أن تمر لحظات الحزن تعصف دون أن أشاهدها، ألم تقف يومًا أمام النافذة وتقول هيا سأشاهد الصواعق، لا تتمنى أن تكون نائمًا وقت هذا، بل تحب أن تسجله وتحفره في ذاكرتك، فأنت وقتها ستقول إن الحزن هو المصرف الذي تجمعت به كل الرواسب فتحفظه، لتلعب مع تلك السيول بمنطق من الذي يجب أن يبقى بكل سهولة!.
 
لقد كتبت مرة " الضربة التي لا تقتلك تقويك " وهذا ببساطة لكونك تحفظ الحزن الذي خلفتها حفظًا ترتله بعدها لمن أحب أن يرجعك إلى ذلك الموقف، لن تحزن عليه! فلقد استنزفت براميل الأحزان في خلواتك دون مشاركات، فلتحترم خصوصيته حينها!.
-
لا تتغير أسلوبك هو هو!، ماذا عن رؤيتك الأخلاقية؟ 
 
الأمر سهل ثم إنني لا أحبذ الأسئلة ماذا عن؟ رأيك في؟ إلخ، قلت من قبل تضيع الحقيقة ونحن نجيب بنعم ولا، وكأننا نسلم الأسئلة لا أحبذ التصنع البتة، الأخلاق اختصرت الحكاية بأننا لا نحب الشيء لأنه جيد بل نقول هو جيد لأننا نحبه والعكس بالعكس.
-
أحسب أن هذا كان مزعجًا لرجال الكنيسة، والدك مثلًا لن يكون راضيًا عن هذا..
 
فليكن، ماذا قلت غير ما وجدت، لقد كان الناس وقتي ينظرون للأمر خير وشر وأنا قلت ما بعد الخير والشر، قالوا غير مؤدب، اختصرت عليهم وقلت أنا غير أخلاقي فهونوا على أنفسكم..
 
ثم ماذا فيما قلته؟ أنا أخرجت الأحزان من حيز التمظلم والتمسكن والبكاء، إلى حيز آخر، إلى حيز تحويله إلى مكانه الصحيح جدًا، من أراد ان يؤلمك، ليس عليك أن تكون معلقًا على الصليب لأجل خلاصه، بل بكل سهولة عليه أن يعلق هو على الصليب!..
سعيد بك فريدريك.. لعلنا نتحادث لاحقًا..
 -
لا يهم!

2 جلسة مع أفلاطون 

إلى أين أوصلنا ذلك الرجل؟ إلى مثل وصور وأرواح أين تذهب بنا يا رجل؟!
 -
ألا ترى أنك تستبشع فحسب ما قمت به، وكم من حكمة تستبشع في أذن السامع ثم سرعان ما يراها حقا، فالاستبشاع ليس حكما صحيحا.
-
حسن لكنك طرت بنا إلى عالم من المعقولات دون أن تجعلنا نعيش واقعنا.
 -
لو تلاحظ أنت هنا تستشهد بكلام علمنا سقراط أن نسأل عن المقصد فيه فلعل واقعك غير الواقع الذي عناه غيرك، فماذا تقصد بكلمة واقع؟
أقصد ذلك المحسوس الموجود في الأعيان.
 -
لكن ألا ترى أن هذا هو بحر الوهم الكبير، ألا تراه يتغير لا يعرف الدوام فكيف ستتحاكم إلى رجل مثلا يقول كل حين شيئا مختلفا، لا بد من ضابط عقلي في هذا.
 -
كان نيتشه في ضيافتي بالأمس وهو الذي أزرى بك وبسقراط، فمجرد الحاجة إلى الثابت وعقلنة المتغير لا يعني بحال أنها صحيحة، أنت كمن يقول مجرد حاجتي للماء تدل بمجردها على وجود الماء!.
ألا ترى مثلا لو أنك ولدت في عالم غير هذا العالم ولا يوجد هناك ماء ألا وجه لافتراص وجود الماء فيه.
-
أنا لم أشترط فيه، بل سيوجد هناك ماء في أي مكان كان .. - تقصد ماء كليا لا معينا بمعنى إنك تعود إلى إثبات شيء لا يشربه الإنسان شيء ليس محسوسا أين هو هذا الشيء، ثم إن لم تكن جربته مرة كيف ستعرف بوجوده؟.
-
ومن قال لك بأن حواسنا الخداعة هي مصدر معرفتنا بالماء أو بغيره، نحن ندرك الأشياء بالعقل..
 -
إي أعرف نظرتك هذه ستقول لي بأننا نعرفه بالتذكر، أنت تلزمنا أن نرجع لأنفسنا لنعرف الحقيقة لا نرجع إلى نفس الماء لنعرف أنه ماء..
 -
لقد أثبت نظرتي بشكل واضح، ففي محاوراتي استشهدت بغلام لا يعرف الحساب بأن جعلته يستنتج عمليات الحساب، والتفسير الوحيد لهذا هو أنه يتذكر ما يعرفه من قبل، قبل أن يختلط بهذا الجسد وأوهام تلقيه، إن المحسوس والجسد هو السجن الذي يحجب عنا بكثافته رؤية الحقيقة وقد صورت هذا بقصة قوم عاشوا في كهف فلا يحسبون الحقيقة إلا ما كانوا فيه بخلاف لو خرجوا من كهفهم.
 -
أنت هنا ترتكب مغالطة، فأنت تستشهد بشيء من العالم المخادع لتثبت نظرتك على عالم غيره مكون من المجردات والمعقولات في الواقع، ما الذي جعلك تثق بحادثة الغلام هذا وهو جزء من هذا العالم المحسوس، ثم ما قصة الكهف هذه أنت تصور أمرا مغلوطا عندك فمن خرج من الكهف أدرك بحسه شيئا مغايرا لما داخل الكهف، فإن كان الحس خادعا على على قصة الغلام والكهف بالإبطال.
 -
أنا ضربت مثالا فحسب وإلا فقد نصل بعقولنا عما يحجبه الحس عنا، فلا تأخذ الأمر بحرفية وقد أزريت في محاوراتي بأهل الكلام ممن يماحكون لفظيا..
 -
حسن وقصة الغلام أنت بين خيارين: إما أن تقول هي من عالم حقيقي وتنقض نظرتك، أو وهمي وقلت بها إلزاما، وبالتالي تصبح كالمماحكين من أهل الجدل والكلام.
 
ثم إن العمليات الحسابية التي يتعملها الغلام مسبوقة بكثير من التجارب وليست مسبوقة فقط بالولادة حتى تقول إنه تذكر فحسب لما قبل عالم الحس والوهم والجسد.
 -
نفس الأعداد كما نبه فيثاغورس ثابتة رغم أن الواقع متغير، فما الذي يجعلنا نصف أي شيء محسوس بواحد مثلا ويبقى الواحد واحدا رغم كثرة الأمور التي ننسبها إليه من المتغيرات، إن الواحد هو عقلي ولذا كان ثابتا والتجريد مسؤول عن جعل المحسوسات المتغيرة واحدة أو اثنتين إلخ.
 -
أها أنت هنا تنبهني لاستلال نظرتك وتطويرها على كلام فيثاغوروس لكنك تعممها على الأنواع، لكن كلامك هذا سيرده عليك تلميذك العاق أرسطو بأن كل نوع فوقه جنس وهكذا فلو كان هناك إنسانية مسؤولة عن وجود بشري فمن المسؤول عنها وهي تنتج أي شيء اكثر تجريدا منها وهكذا ونظل نتسلسل.
 -
لا تصفه بالعقوق، فهو بار بالحكمة، والحق هو الحكم بيننا، وليس الموافقة أو المخالفة، أنا لم أرجع المثل إلى شيء وحيد بل إلى عالم متفاعل مع بعضه من عالم المثل.
 -
لا تأخذني بحرفية وآداب الأكاديمية، فمزاج نيتشه لعله أثر علي وأنا أصف أرسطو بالعقوق مازحا، لقد قرأت في محاوراتك اعتراضا عليك مفاده إن كان العالم المحسوس معرفته خادعة يعني هذا أن العلم الحقيقي في عالم المثل، كان الاعتراض إذن الله لا يعرف إلا عالم المثل ولا يعرفنا نحن ولا العالم المحسوس وإلا كانت معرفته خداعة!.
ثم قلت أنت: لكن تجريد الله من المعرفة أمر فظيع.
-
نعم قلت هذا.
 -
فها أنت تتحاكم إلى الاستبشاع!.. الذي بدأت بعيبه، على أي حال مضطر للذهاب، لنا لقاء آخر إن شا الله.
 -
لنا حوارات أخرى فأنا الحريص على الحوار.

3 سهرة مع أميل سيوران وفرناندو بيسوا 


 بالأمس كان نيتشه ينشر فحيح سخريته معبقًا الأجواء، وإن كان فيها مرح ساخر، إلا أنه صلب يمتلئ بعنفوان الصراع، ولعل سخريته أيقظت سيوران وبيسوا، ليقطعا معي صمت الليل، سيوران أيها العدمي لم أقرأ لك إلا أربعة كتب وإن كنت قد طلبت المزيد إلا أنهم قالوا لي بأنه لم يترجم إلى العربية سواها: المياه كلها بلون الغرق، لو كان آدم سعيدًا، تاريخ ويوتيوبيا، مثالب الولادة، وجدتك تقلد نيتشه باستثناء عنفوانه، هو يقول مثلًا: مات الإله، وأنت تقول لقد طردت آخر المزعجين من ذهني وهو الله!، ألا ترى أنك تقلده فحسب!.
 -
لا ليس تقليدًا إنما عبرت عما يجول في خاطري، نيتشه تنبأ بأمر لكنني وصفت ذلك الأمرعيانًا لمّا عشته، وأنا أختلف مع نيتشه، وإن أحببت أبنت لك ذلك.
 
هناك من بعيد يمشي الشاعر البرتغالي بيسوا متبخترًا بنظارته المدوّرة، ناديته بيسوا، أنت شاعر لكنك تعتبر متفلسفًا أيضًا ما بال نيتشه أصابكم بعدوى الجمع بين الشعر والفلسفة!، أنت لك نظرة يمكن أن أصفها بجدارة اللا مبالاة حتى النهاية، يا رجل قرأت كتابك (اللا طمأنينة) في 600 صفحة، حتى تقول في نهايته، الكتاب تافه! يا رجل أنت لا يجري دم في وجهك!.
 
ثم ما قصتك مع اللا مبالاة الدينية هذه، تقول بأن الإنسان يولد وهو يعترف بالله، وفي نفس الصفحة يولد وهو ينفي وجود الله، ماذا تقول؟
 -
إننا كأحفاد لأجداد كفروا بالمسيحية، ورثونا ليس مجرد الكفر بالمسيحية، بل حتى الكفر بأي إيمان، ولذا لا أؤمن بإله، ولا أؤمن بنفيه، ببساطة موقفي ليس مطمئنًا لا لعقولنا، ولا استدلالاتنا بأي جانب كان.
 -
أتدري بيسوا هذه صدقت بها، فأنت تصف الأوربي وهو محمّل بكل لا طمأنينة وكفر بالإيمان المسيحي، لما أستمع إليك أدرك أن السكرألا يمكن الحديث معه، وأدرك أكثر أن أفكارك هذه سكر محض..
 -
ليكن، أنا أقول ما أحس به، فالإحساس هو الصادق الوحيد فيّ، ولا أثق بالعقل ومن هنا أصلًا لست مستعدًا لأي حوار، إنما أقول ما تفرغه فيّ شحنات أحساسي، ولست معنيًا بإقناع أحد، فكتابي هذا الذي تتحدث عنه لم أسع لنشره، إنما نشروه بعد موتي، تخيل 10 سنوات وهم يحاولون قراءته لينشروه ويعيدوا ترتيبه من مخطوطاتي، وهذا يصدّق كلامي الذي امتعضت أنت منه، أنا قلت كتابي جيد لأنه تافه هل كذبت في هذا؟!.
 -
لا أحسبك كذبت!، سيوران أجد لك تسلسلًا بل شذرات، مثل نيتشه، لكنك محبط، نيتشه على الأقل يفرغ هراء التصوف ليجعلك ترى أين تقف بقدميك، لكنك تقتل أي معنى للكفاح في هذه الحياة، الوجود والعدم عندك سيان، ألا ترى أنك أفرطت في هذا، كنت أتساءل وأنا أقرأ كتابك لماذا لم تنتحر!، أنت رمز اللا معنى، ثم ألا ترى أن نيتشه أذكى منك، لاحظ أمرًا، نيتشه لما نقد الإنجيل مثلًا كتب (هكذا تكلم زردشت) بنفس ترتيب الإنجيل ولكن بطريقته الماكرة في السخرية، يغير الأحداث التي يحفظها من قرأ الإنجيل ليجعلك تضحك رغمًا عنك وأنت تقرأ كيف حوّر الحكاية.
لكنك تختصر الأمر فتقول: تدخين السجائر له مفعول أفضل من الإنجيل؟!
 -
لما أكتب ما يجول بخاطري أرى تحطم كل الأوهام التي تعلقنا بها طويلًا، فلا مناص ولا أمل أصلًا، كل تلك الشعارات التي قيلت لتجعل الحياة أفضل أخفقت، ولذا لست مع نيتشه وهو يحلم بالسوبرمان، وتفجير قدرات الإنسان، وكل هذا الهراء، أفضّل أن أنظر للأمر بطريقة أبسط وأسهل، بطريقة تبحث حتى في السيطرة والقوة بنظرة عدمية وتشاؤمية، لا أحن على المظلوم ليس مثل نيتشه لأسيطر، فهو القائل: أفضل ما تقدمه لمن يترنح للسقوط هي أن تدفعه! بل لأنني لا أتعاطف مع المظلوم كونه من طينة الظالم..
 -
أنت كأنك هنا تختصر أثر ستالين في عقل أوربا، إن المظلوم لو تسلط سيكون أكبر ظلمًا من سابقه، ألا ترى أن هذا كمن يقول لن أشتري بيتًا خوف أن يُسرق بحجة أن جارك سرقة بيته! أو لن أتزوج خوف الطلاق، ولن آكل خوف التسمم، عدميتك، ولا مبالاة بيسوا، تدفع إلى تحويل من هو على شاكلتكما إلى آلات تفقد الأمل ولكنها تعيش وتضطر للعمل وتخضع للاستغلال بكل لا مبالاة من جانبها، وتضطر إلى أن تتابع الأحداث فقط من بعيد..
 
لا مجال للإطالة في الحوار معكما، لا أريد أن أقطع عليكما مسيرة الإحباط، وتعاطي اللا مبالاة والعدم.. وداعًا.
..

منشورات عن الحسين رضي الله عنه

 

11 أكتوبر 2016

منشورات عن الحسين رضي الله عنه

1

مع كامل الاحترام للحسين.
 
لكن هناك مبالغة فظيعة لمجرد مكانته الدينية في اعتبار ما قام به ثورة ووبعضهم يقول تتجاوز الزمان والمكان ودروس كبرى من استشهاده واعتقد هذا النمط في القراءة يكون على حساب الوعي السياسي بشكل فظيع فتتكرر الحكاية بين صلاح شخص وصلاحية خطواته السياسية.
لو حذفنا اسم الحسين ووضعنا مكانه (س) هل سيعتبر الامر ثورة؟ أم يستفاد منها دروس كبرى الخ.
 
هناك مبالغة فظيعة.. وما فعله الحسين كان غير محسوب بشكل جدي.. لا اتكلم هنا عن مكانته الدينية وبطولته وشجاعته ومنزلته الاخروية رضي الله عنه.

2

لما تقيم ثورة لا تقارن الامر بالنظام!.
فالنظام يقارن بنظام والثورة بثورة.
 
هناك ثورة ناجحة واخرى فاشلة والفشل يستتبع دوما المراجعة للخطوات التي وصلت اليها لاستدراكها فالثورات الفاشلة كثيرا ما تكون (بروفة) لأخرى ناجحة اذا تم تقييمها نقديا والتعامل مع الثورة كفن له قواعده واسسه.
 
اما ان تمجد خطوات ارتجالية وتجعلها مقدسة وانها فوق الثورات جميعا لا احسب هذا امرا مجديا الا للمتهوسيين الدينيين الذين يتعاملون مع السياسة وكأنها فرع على تصوفهم الذاتي.

3 ما بعد النصب والرفض والفضائل..

القوالب الجاهزة لا ترصد الحركة الواقعية، وهنا ليس غرضي التقييم بل رصد تلك الحركة.
وكم من فاضل بالغ الفضل لا تجده أهلا للعمل السياسي، أو هو أهل لكن غيره أكثر حنكة منه.
 
المطالع لخلاف علي مع عثمان يجد أن علي بن أبي طالب مع وافر حرصه على الشرع وفهمه له، إلا أن عامل الناس وقته بطريقة قد تكون تستدعي لغة مختلفة عما صدر.
 
مثلا يحصل خلاف مع عثمان بعد شرب الوليد بن عقبة الخمر وصلاته في الناس ويطلب علي إقامة الحد عليه فيقول لهم عثمان أقيموه فيأمر علي ابنه الحسن على ما أظن بذلك فيقول (ول حارها لمن تولى قارها).
بمعنى فليفعل هذا من ولاه!.
هذه لما يسمعها الغوغاء يفهمون منها ماذا؟ يفهمون تحميل عثمان مسؤولية هؤلاء الولاة.
 
لما نجد علي بن أبي طالب يكثر من قوله صدق الله ورسوله عند كثير من خطواته السياسية أو العسكرية يفهم منها الغوغاء ماذا؟ يتم ابتكار مفاهيم كالعصمة والنص عليه في فترة مبكرة..
 
لا نتكلم هنا عن إدانة شرعية حتى يصاح هذا نصب، ولكن نتكلم عن استفادة من لغة أخرى قد تتجاوز الفهم المغلوط وما يمكن تسميته باللغة الدبلماسية التي يفهمها السياسي المخالف، مع تجاوز احتمالية شحن العامة بما قد يفهموه تحريضا.
 
مودتي.

4

يزيد كان سياسيا محنكا.
 
بقطع النظر عن التقييم الديني فإن تعاملنا مع السياسة كعلم وفن يظهر يزيد كمحنك سياسي كبير حتى لو تبنيت معاداته (فنصف السياسة تتعلمها من العدو).
 
قصة قتل الحسين ولا في أسوا الكوابيس لأي سياسي في ظل مجتمع يقدره ويعطيه هيبة دينية، ويتم تجاوزها بمهارة كبيرة هذا ليس بالأمر الهين.
 
بل ويستمر حكم بني أمية بعدها هذا يدل على مهارة عالية يفترض الاستفادة منها وتوظيفها.

5 الإمام الحسين عليه السلام وفلسفة الثورة.

 هذا عنوان قد يكون من أفضل ما يمكنه تحويل السياسة إلى شعارات شعبية، ليختصر الأمر الشاعر الشعبي أحمد نجم (خلاصة الكلام يزيد ولا الحسين).
 
الحديث عن قرابة الدم من الرسول صلى الله عليه واله وسلم لبيان أحقية الحسين بالإمامة ما هي إلا نظرية النص متحولة إلى صيغة بيلوجية!.
 
وأثبتت هذه النظرية فشلها كلما نظرنا للأمر بشكل أوسع بعد انتشار الذرية، فالعباسيون انتسبوا إلى فرع قريب بالدم ولكن هذا نجح جزئيا في الاستيلاء على الحكم، لكنه أبقى السيف داخل العائلة نفسها!.
ولك ان تتخيل عدد المنتسبين اليوم الى ذرية الحسين لتدرك مدى الوعورة التي يحملها هذا المسلك.
 
التعامل مع خروج الحسين وكأنه ثورة بطولية ونموذج ثوري معناه يختصره ابن الجوزي بقوله (العباد مطالبون بالاوامر لا الاقدار) اي رفض تحكيم النتائج بعبارة أخرى.
 
احسب ان الموت كبطل هو عقلية الفدائيين والنبلاء لا السياسيين الذين ينظرون الى السياسة بشكل قريب من الطب.
فكما ان وظيفة الطب علاج المرض فالساسة وظيفتها علاج المشاكل الداخلية والخارجية.
 
يتم التعامل مع ما حصل في عهد يزيد بطريقة طوباوية كجعل يزيد أسوأ من ظهر على البسيطة وبطريقة تراجيدية ينتصر الشر!.
ثم تتسارع الجمل البلاغية لتقول الدم انتصر على السيف!.
 
اعتقد ان هذا يلغي اي مفهوم للهزيمة واي تحاكم للغة الوقائع والارقام (اولما اصابتكم مصيبة قد اصبتم مثليها قلتم انى هذا قل هو من عند انفسكم ).
 
حسين بتحركه كان قد تحرك كحركة نخبوية بلغة غير مصلحية وهذا لا يكون باي ثورة الا كانت منتحرة سياسيا.
 
التعامل مع الولاءات كمبادئ دون افتراض ضرورة التعبير عن مصالح كذلك كلها كانت ستؤدي للنتيجة نفسها.

6

يتم التعامل مع قضية قتل الحسين بطريقة ميتافيزيقية تجريدية تحصر الأمر بشخصين: يزيد والحسين، في حين أن القضية أعمق من ذلك وفيها ترابط كبير يمتد الى قتل عثمان.
 
علي انتقد عثمان أكثر من مرة وردد النقد ابنه الحسن، النقد الذي طال الولاة الذين تم تعيينهم في عهده، ثم انفلتت الأمور ليتم قتل عثمان بطريقة هزت الوسط الاسلامي.
 
علي قال بأنه لم يأمر بقتله ولم يرض، حسنًا لكن من قتله تحرك باطار الانتقادات التي وجهها علي إلى عثمان، وبالتالي اعتبروا شرعية ما فعلوه معتمدة تماما على كلام علي بل وبيعتهم له فيما بعد.
في الطرف الأموي وهم يمتازون بنظرة واقعية للأمور لم يكن هناك مجال لافتراضات كبيرة تحتم صدق الإمام علي في هذا وهم يشاهدون عدة قرائن:
1-قتل عثمان وعلي بالمدينة ولم يدفع عنه كما يدفع الأنصار عن أميرهم، طبعا كان هناك وصية من عثمان بعدم سل السيف ولكن إن كان قتله حراما فيجب الدفع عنه شرعا ام تطيعه في هذه وتنسى غيرها؟
2-القتلة تحركوا في اطار النقد الذي وجهه علي ثم انهم بايعوه!.
 
وهذه القرائن لو كانت في غير علي لرجحت بشكل كبير تحميله المسؤولية كيف اذا علمنا ان الوسط الشيعي كان محتدا على عثمان فكيف ان سمع معاوية وانصاره شيعيا يتغنى بقتل عثمان او ينسب ذلك الى علي؟.
وبطبيعة الحال لم يقتص من قتلة عثمان.. ولا من اي جهة.
 لكن لما تقرا حدث الحسين، يفترض ان تستشف وجود تعبئة مسترجعة لحدث عثمان فكأن قائلهم يقول ان لم يقتل علي عثمان فكذلك يزيد مع الحسين.
وان قيل فهم ولاته وجنده ولم يقم عليهم الحد فهذه بالأولى.
 تعقيد الامر كان يجعل تحرك شخص الحسين بانتسابه لعلي ضد قوم ينتسبون لخصومة مع ابيه كان يصعب الامر عليه جدا.. ويتناسى ورقة الخلاف القديم بانه قد يرد مماثلا.
 
وكانت جرأتهم على دمه بنظري قد سهلها ذكر امر واقعة الجمل وسقوط طلحة والزبير.

كلامي على صعيد السياسة... ليس على صعيد بيان الموقف الديني.