12.17.2017

حتى لا يشوّه صرح ابن تيمية النظري

 10 أكتوبر 2017

حتى لا يشوّه صرح ابن تيمية النظري

1

عديدة هي تلك الدراسات التي تنبهت إلى الطرح الفلسفي الكامن في مؤلفات ابن تيمية، وتعرضت له، وبقطع النظر عن مقصد أصحابها، وجهدهم العظيم فيها، إلا أنها لم تصور طرحه كما هو، بل زجت فيه بعناصر أجنبية عنه، ومن ذلك:
1.   أنه من المدرسة الاسمية: وهذا الطرح يرى أن ابن تيمية يمكن مقاربته مع المدرسة الاسمية في الفلسفة، هذه المدرسة تقول بأن الكليات لا في الذهن ولا خارج الذهن، وإنما هي أسماء تدل على الخارج فحسب، ومن هنا اكتسبت تسميتها، ومن أوائل من قارن ابن تيمية بالاسمية علي سامي النشار في كتابه (مناهج البحث) بحجة أن ابن تيمية لا يقول بكليات خارجية، وهذا حيدة عن قولهم لا كليات في الذهن وهو ما يخالفهم فيه ابن تيمية صراحة.
وتتابعت دراسات على ذلك منها دراسة أبي يعرب المرزوقي (إصلاح العقل) وقد أبعد فيها النجعة، وتكلف فيها الصعب ولم يصب فيما ذهب إليه.
2.   أن ابن تيمية من المدرسة التصورية: وهذا القول ضد القول السابق، وممن قال به سلطان العميري في كتابه (الحد الأرسطي) ولم يصب فيه أيضًا، فالمدرسة التصورية تقول بأن الكليات في الذهن لا في الخارج، إلا أنها قالت بتصورات قبلية تشكل ضرورة لمعرفة الواقع، ومن ذلك فإنها تقول بأن المحمول للموضوع لا يوجد إلا في الذهن، وهذا لوحده كافٍ لصدقه، فترد المعرفة إلى التصور ومن هنا جاء اسمهم، وهو ما يرفضه ابن تيمية فالكلي الذهني عنده لا يكفي لمعرفة الواقع، ولابد من علم معيّن، كما أنه لا يقول بأي معرفة قبيلة أي تسبق الحس.

2

ومن المقالات التي جانبت الصواب في تصوير أطروحات ابن تيمية:
3.   الاعتقاد بمعارف قبلية (أي تسبق أي حس) وهذه المعارف من صفتها أنها كلية وضرورية: وممن اشتهر بذا كتاب (منهج ابن تيمية المعرفي) لعبد الله الدعجاني، والواقع أن وصفه للقبليات بأنها كلية وضرورية هو مجرد ترديد لكلمات كانط التي قالها في (نقد العقل المحض)، ووقع بخلط بين مقامين:
                                 i.            ما يسميه ابن تيمية بـ(أسباب الإدراك) وهي مرحلة تشكل الوعي، وهذه عند ابن تيمية منطلقها الواقع الموضوعي بتوسط الحس الذي ينقل ذلك إلى الدماغ، وبعد تكرار نقل الحس يبلور الدماغ أفكاره الكلية، فما يعتبرونه قبليًا هو في الواقع نتيجة بعد الحس في تشكل الإدراك.
                              ii.            وهو داخل عملية الإدراك بعد تشكلها يوجد أوليات وضروريات ونظريات عند ابن تيمية، وذلك في مقام الاستدلال وترتيب الحجة، ويكون هذا في الإدراك لا قبله، والقائلون بنسبته إلى المعرفة القبلية خلطوا بين الأمرين، وخضعوا لخطابات سبقتهم، مثل نظرية المعرفة للكردي والذي بدوره سلك مسك الصدر في كتابه فلسفتنا وقال بالقبليات المعرفية.
4.   نفي المعقولات عن ابن تيمية: وذلك لابتدائه بالحس في عملية الإدراك، ومن أشهر القائلين بهذا سعيد فودة، ثم تتابع بعده من لاك هذه المقالة، وهي مقالة خصومة لا يوجد فيها نسبة من حق أو إنصاف، فابن تيمية ينازع بوجود غير المحسوس أي القابل للحس في الواقع، لا ينازع في وجود المعقولات في الذهن، وهذا الاتجاه يتقاطع بشيء ما مع الذين نسبوه إلى الاسمية من حيث نفي الكليات.

3

ومن المقالات التي جانبت الصواب في تصوير أطروحات ابن تيمية:
5.   اعتبار أنه من رواد التجريبية، وفي هذا الفلك دارت عدة مقارنات بحجة أنه يبدأ بالحس، ويركز عليه في المعرفة وبعضهم قاربه ببيكون، وهو وإن التقى مع بيكون في جزئية الانطلاق من الجزئي إلى البناء الكلي فإنه يخالفه في تزهيد بيكون في مباحث الفلسفة بشكل عام، إلى درجة اعتباره من أجداد الوضعية العلمية التالية، فابن تيمية يؤكد على أهمية الحس ولا يتوقف عنده، بل هو مجرد خطوة في إطار المعرفة، وإلا فتتلوها خطوات مختلفة نوعيًا، كالبحث المنطقي والفلسفي.

6.   اعتبار أن ابن تيمية لا يعول على العقل في إثبات وجود الله، وذلك لما قرأ بعضهم أنه يعتبر أن معرفة الله ضرورية عنده، وهذا تخليط، فالضروري يأتي في المقام الواضح في العقل الذي لا يحتاج فيه إلى استدلال عليه، لا أنه نفسه لا دليل عليه (فالأول لا حاجة الثاني لا يمكن)، والضروريات عند ابن تيمية نسبية بين البشر ومن هنا فقد لا يجد بعضهم إثبات وجود الله ضروريًا وهذا واجبه أن يستدل، وهكذا كان حكم ابن تيمية في مسألة هل أول واجب النظر أو الإيمان.

نظريات مؤامرة ساهمت وتساهم بالمشكلة لا الحل...

 6 دسمبر 2017

نظريات مؤامرة ساهمت وتساهم بالمشكلة لا الحل...


إن ما يميز عقلية المؤامرة: العمى عن القريب عن المشاهد، إلى التدقيق البالغ في الخفايا والأسرار، التعميم لعالم المؤامرة على العالم المشهود.
إنها المثل الأفلاطونية بصيغتها الجديدة، عالم المثل، هو مرادف عندهم لعالم المؤامرات، إغفال كافة الوقائع المخالفة للنتيجة المحددة سلفًا فيها.
هذه العقلية تتوزع بين أناس يختلفون في مظاهرها، لكن الجوهر فيهم واحد، خذ مثالا على هذا:
نفاة السنة، يعممون الدس في الأحاديث وكأن الوضاعين لم يكونوا مختلفين، بل يجمعهم هيئة واحدة بغرض تحريف السنة، ويتعامون عن جهود مقاومة الوضع، والخلافات السياسية والمصلحية والعقدية بين الوضاعين أنفسهم، يتعامون عن واقع الجهود التي بذلت في الحديث وعلومه ليخرجوا بنتيجة تقول المؤامره الكونية قضت على السنة.
هذه العقلية هي التي سادت في التحليلات السياسية عند كثيرين وابتلعت هذه النزعة عقولا كثيرة في الأوساط الأدبية لربما لإدمانهم قراءة الروايات، وحرصهم على الحبكة القصصية، وعامل التشويق والإثارة، ولكن للأسف فإن الواقع ليس قصة أدبية متسلسلة الأحداث كما يتخيلونها.
لقد غازل هذه المخيلة دان براون في رواياته، بالحديث عن حكومات خفية، محافل سريه، واقتنع بها العقاد وسيد قطب ومن نحا نحوهم، وتشعبت في خطابات الإسلاميين كثيرًا.
كان واحدًا من أهم الأسباب التي دفعت قطاعات من الشباب لجانب الإلحاد، ليس الحرص على المباحث الفلسفية، ولا العمق في إيدلوجيا معينة، بل تراكم الأخطاء في الشق السياسي والاجتماعي من جانب الإسلاميين، التي شكلت نظريات المؤامرة جزءًا أصيلًا منها، بحيث دفع ذاك القطاع، للتعبير عن رفضهم لسلطة الإسلاميين بعموم معنى السلطة ولو أدبيًا على شكل ما عرف بموضة الإلحاد، التي لا يجمعها في المنطقة العربية جامع قدر محاولة الخروج عن هذه السلطة، وهذه الصورة المتطرفة لرفض الأطروحات الإسلامية هي محض طليعة لما يمكن التعبير عنه باللامبالاة الدينية، التي تم رصد انتشارها بإحصاءات اجتماعية مؤخرًا بشكل متوسع كل يوم، وتشكل داعمًا لوجستيًا لانتشار الإلحاد بصوره المختلفة.
إن مجابهة ما يصرح به هؤلاء الشباب بطريقة المحاججة النظرية ثانوية التأثير -ولا يلغي هذا أهميتها- حيث إن الإيدلوجيات الإلحادية بذاتها ليست علة هذا النفور، واللامبالاة، بل عدم تقديم بدائل وحلولٍ للمشكلات بعد ما عرف بـ (الصحوة الإسلامية) من أيام السبعينات.
إن مواجة هذه الظواهر يكون بالعودة لأسبابها وعلى رأسها الأخطاء المتكررة في التيارات الدينية، والتي تتكرر كل حين حتى اليوم.
ففتور الجانب الديني اليوم وتراجعه في المجتمعات العربية، ملاحظ مرصود بعد موجة شكلت العصر الذهبي للتيارات الإسلامية، حيث لم تسجل تغيرًا ملحوظًا للمشاكل الموجودة قبل انتشار تلك التيارات، وساهمت أحيانًا بازديادها.

لتوضع النقاط على الحروف

 24 نومبر 2017

لتوضع النقاط على الحروف

يجري الآن ابتكار شماعة لتعليق كل الجرائم عليها، ما حصل في الروضة جريمة شنيعة لا يرتضيها مسلم فكيف بطالب علم، لكن عفوًا، لماذا يتم رمي التهم الآن في خانة الوهابية؟ وابن تيمية، والتراث، ولأكون صريحًا، بعضهم لموقفه السياسي من حزب النور، يظن أنه لما يرمي الوهابية بالتهم فإنه بذلك يسجل موقفًا على الحزب، وفي تصوير أنه معارض، ويحاول أن يصنع جوًا من العداء لخصومه، كذلك كثيرون يحاولون إخراج مؤسسة الأزهر تمامًا من أي مراجعة، وبالتالي صار العنف من وافد أجنبي، إنه الوهابية.
عفوًا موضوع العنف في مصر قديم، والجماعات هناك تلقت دعمًا من السادات لفترة، لتصفية نفوذ القوميين، وشاركوا مشاركة فعّالة بموافقة النظام وقتها في أفغانستان، حتى تم اغتيال السادات بأيدي من دعمهم يومًا ما، ومن قبل حدثت أفعال عنف، وثبت أن شخصيات تورطت بها، قتل النقراشي، الخازندار، مرورًا بحادثة المنشية، كان هناك عنف، كم واحدًا منهم أصلًا كان وهابيًّا عذرًا، لماذا تطير إلى القرن 18 ميلاديًّا، وتنسى أحداث القرن 20، فالثانية أقرب.
بالنسبة للأزهر فشيخه الحالي (أحمد الطيب) في يوم من الأيام مدح سيد قطب بأنه من روّاد الفكر الإسلامي، قطب لم يكن وهابيًّا، ومع ذلك فقد تزعم تنظيمًا مسلحًا في مصر، بقطع النظر عن تقييم هذا.
شخصيات مثل شكري مصطفى الذي تم إعدامه بتهمة قتل وزير الأوقاف المصري حسين الذهبي، لم يكن وهابيًّا، بل كان قد سجن بتهمة الانتماء إلى الإخوان، وخرج وهو يحمل فكرًا يكفر الجميع، وسمى جماعته جماعة المسلمين، وتعامل مع المساجد انها مساجد ضرار لا تجوز الصلاة فيها، إلا المساجد الثلاثة.
ثم ألم يحصل العنف من الجماعة الإسلامية التي كانت يقودها الأزهري عمر عبد الرحمن؟ ويتم استفتاؤه في موضوع استحلال أموال النصارى كونهم لم يدفعوا الجزية؟ عبد الله عزام كان أزهريًّا، كذلك، وهو يمثل الأب الروحي للجماعات الجهادية، محمد الغزالي لم يكن وهابيًّا بل أزهري من جماعة الإخوان، وأقام سوق التسويغ لقتل فرج فودة، وهذا كله في إطار عنف خارج الدولة.
صورة نادرة لعمر عبد الرحمن الأزهري، مع عبد الله عزام الأزهري.

بعض اللفتات في الأزمة السورية.

 14 نونبر 2017

بعض اللفتات في الأزمة السورية.

بقطع النظر عن الميول السياسية للمتابع للشأن السوري، أظن أننا بحاجة للفهم، أكثر من صيحات الولاء وصرخات الإدانة، وبقطع النظر عن التقييم الأخلاقي سأتحدث سريعًا عن بعض المناورات السياسية، والإخفاقات التي يفترض أن يستنبط العاقل منها شيئًا.
النظام السوري عندما بدأت المظاهرات والمسيرات كان في أسوأ أحواله وهو يشاهد سلفًا تحركات في دول عربية عديدة تؤذي أنظمة، وإن لم تكن منظمة، ولا يقودها توجه حزبي معين.
قتل المتظاهرين السلميين كان واحدًا من أخطر المناورات السياسية التي يمكن أن تعصف بالنظام برمته، وأكسبت خصومه حشد الرأي العام معهم، وتجلى ضعف النظام بصراخ حسون بتهديد الدول الأوروبية بعنف أهوج.
إلا أن النظام حاول تصوير خصومه دومًا على أنهم مجموعات إرهابية بخلفيات دينية، بمعنى ليس الظرف السياسي هو ما دفعهم للخروج، ولا لهم أهداف سياسية، إنما هوس ديني تحركه أيد خارجية.
بطبيعة الحال كان النظام يحتفظ (في سجونه) بعناصر إسلامية يعرف مقدرتها السياسية بأنها مهزلة، وتقودها الحماسة الدينية، ولا أملك معلومات كافية بهذا الصدد لكن يمكن القول إن مصلحته كانت بإطلاق سراح تلك الفئات لصبغ الخصوم بما سوق له باكرًا.
وبحق هذا ما حصل، فعدد كبير ممن كان له سابقة اعتقال في سجونه قاد تحركات عسكرية وبهيئة نمطية تعزز الصورة للعالم، الموضوع ليس عمالة بقدر ما هو استغلال أوراق.
تحول الثوار إلى ملتحين وشعور مرخاة، وتعارضت صور قصف البراميل بحرق الأحياء وقطع الرؤوس كإصدارات منشورة، ورغم أن النظام استقدم عناصر طائفية شيعية للقتال إلى جانبه باكرًا إلا أن الفصائل المعارضة لم يتسع خطابها وأيدلوجياتها للمعارضة من خارج طائفتها إلا بشكل إعلامي هزيل وبذا تمكن النظام من تحزيب الطوائف والتي يوجد فيها معارضة معه من باب أقل الأضرار لها كالعلويين والدروز.
الفصائل المعارضة تم صبغها بأغلبية هائلة بخطاب أقل سياسية من الموالين للنظام، وغلب عليها الحشد العاطفي واللغة الطائفية، وبذا تمكن النظام من إظهار أن المشكلة ليست سياسية بل طائفية أي ليست مرهونة به، بل ستحصل مهما فعل.
كان باستهداف عدة مناطق في المنطقة والعالم بالعنف الأهوج ورقة رابحة للنظام، إذ أظهر أنه صمام أمان لمصالح خصومه، ومقدرته على ضبط عناصره، بخلاف المحسوبين على معارضته، إذ لا يقدرون على كبح جماح عنفهم الأهوج.
كما إن روسيا تدخلت بثقلها وفق لغة مشتركة قدمها النظام، إلا أن المعارضة لم تستطع تقديم لغة تشملها لتحالف خارجي، وإن تم تقديم بعض السلاح لفصائل قليلة هناك، إلا أنها لم تكن تمثل إلا نسبة قليلة من المعارضة، ومع مجيء ترامب صرح بأنه سيسمح بالنفوذ الروسي ويعتبر النظام أقل الأضرار.
بالمختصر يمكن الحديث هنا عن عدة مفاصل بقوة أي تحرك سياسي:
1.إخضاع العنف للتقييم المصلحي واستعماله كوسيلة ضغط سياسي (حتى ولو لم يكن أخلاقيًا)، لا مجرد عنف أهوج (أي لا يظهر له هدف سياسسي حتى ولو كان أخلاقيًا) يقوي القيادة السياسية.
2.التركيز على عدو واحد يقوي التحرك السياسي، مع خطاب دعائي موحد.
3.إمكانية ضبط العناصر تشكل قوة للقيادة السياسية بخلاف تفلتها.
4.إعطاء خطاب مشترك مصلحي أو ضمان أقل الخسائر في أسوأ الأحوال للدول المحيطة يقوي القيادة السياسية.
5.تصدر العناصر العاطفية للمشهد السياسي يودي بالتحرك تمامًا.

6.صبغ مشهد ما بصورة نمطية يدفع إلى التعامل معها بطريقة نمطية.

إنها ماركسية!

 10 نونبر 2017

إنها ماركسية!


يسهل بين تيارات الإسلامية، أن تقول: بنك إسلامي، حق الملكية، فطرة التملك، بيع التورق: وهو أن تشتري أشياء بأجل، وتبيعها نقدًا بسعر أقل منها، لأنك تريد المال! وبعض الفقهاء أجازه، تحريم التسعير وذلك لمنع تدخل الدولة في تنافس السوق، كل هذا لا يجعلك أن تُرمى بالرأسمالية!؟
لا يشترط أن تكون عندهم وقتها تابعًا لآدم سميث، ولا فريدريك هايك، لكن جرب الأمر بطريقة مختلفة قليلًا، جرب أن تقول: "المحتكر هو الذي يعمد إلى شراء ما يحتاج إليه الناس من الطعام فيحبسه عنهم ويريد إغلاءه عليهم وهو ظالم للخلق المشترين".
جرب أن تقول: "أن يمتنع أرباب السلع من بيعها مع ضرورة الناس إليها إلا بزيادة على القيمة المعروفة فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل" سيقال هذه ماركسية! مع إن ما بين قوسين هي كلمات من ابن تيمية.
جرب أن تطرح ما في الغياثي للجويني، حيث يقول لو أن الزكاة عطلت لسنوات، ولو غاب الخليفة عن المسلمين، فإن الزكاة لن تسد حاجة الفقراء، ومن هنا فيقضي بوجوب الأخذ من مال الغني ورده إلى الفقير، كل هذا قبل أن تولد الماركسية، ولم يكن هناك بعد صراع طبقي كما نشهده اليوم.
الآن صار شيئًا عاديًّا أن تسمع عن الإحصائية القائلة بأن نصف الثروة في العالم تتركز في يد 1 في المئة فقط من سكانه (تقرير لمؤسسة كريدي سويس لسنة 2015!)، فأن تتحدث في سياق هذا عن حرية التملك، وتراكم الثورة لا يعتبر رأسمالية! أليس كذلك؟
لكن إن دافعت قليلًا عن الناس التي تسحق تحت وطأة رأس المال، يصيحون: ماركسية، ماركسية.
تجد عمالة تشتغل 16 ساعة، يوميًّا، في المنطقة العربية لتحصيل قوت يومها، بل ولا نخفي عن الناس صدور فتاوى من عدد من المشايخ يومًا ما بتحريم تحديد ساعات العمل! وعدم إلزام رب العمل بنصف ساعة استراحة للعامل ليتناول غذاءه، بل عدم إلزامه بصندوق إسعافات أولية، وإطفائية حريق.
يمنع منعًا باتًا أن تتحدث عن ساعات العمل، لكن يسمح أن تدافع عن حرية العقود واستغلال أوضاع اللاجئين والفقراء لاستثمار أموالك، فذا جائز.
إصرار فئة على الصدام مع الطبقات الأقل غنى في المجتمع، باسم الإسلام، ليس في صالحهم على المدى البعيد.

افسحوا لي المجال!

30 أكتوبر 2017

افسحوا لي المجال!

هذه خلاصة ما يريده المتصدر في نقاش مسألة هل ابن تيمية قال بالقبليات أم لا؟ وزعم زورًا أنه قال بالقبليات وهو لا يتصور معناها! ولما تفسخ ستر جهله، وبان ما تحت تزويق كلامه من فضح أمره، وبعد إكثاره من الحشو والتطويل مع الاستطالة على خلق الله، ولم يصفق له فيها إلا كل من هو عن هذه المباحث ساه، قال:
(هل نحقِّق المسائل العلميْة من منظور الشَّرع والضَّرورات العقليَّة والواقعية أم نحقِّق مذهب ابن تيميَّة فيها؟ 
وإذا فرضنا أنَّ مذهبه فيها هذا أو ذاك فماذا يثبت هذا؟
هل يثبت أنَّ الشَّريعة، والحقيقة كحقيقة في أي مجال هي ما قاله ابن تيميَّة؟
تحقيق مذهب ابن تيميَّة قضيَّة ثانوية في تقرير الحقِّ الشَّرعيّ)
بحق؟ فيقال هذه نقلة، والنقلة في الجدل انقطاع، فالحديث كان في تحقيق نسبة قول القبليات لابن تيمية، وليس في بحث ما ينسبه (فضيلك) إلى الشرع! ولكن صدى كلامك يقول: نحن هنا، افسحوا لنا المجلس، فلم يدعك أحدٌ للحوار في الموضوع، إنما زججت بأنفك فيما لا تحسنه.
ولولا هذا ما قلت: "لو كان مذهبه فيها هذا أو ذاك فماذا يثبت هذا؟"
ماذا يثبت؟ يثبت أن الكلام ويشهد كل متابع كان في تحقيق مقالة ابن تيمية، ولو كان البحث عندك يستوي فيه هذا وهذا ما رميت من حقق مذهب ابن تيمية على وجهه بأنه متأسلم! ونشأ في بيئة إلحادية، ثم لما حوصرت قلت: ما لنا ولابن تيمية! ونقلت الحديث إلى غيره فقلت: نتحدث عن الشرع!
إنها بعبارة أخرى افسحوا لي المجال، أريد أن أدلي بدلوي، عذرًا، ما هذا بعشك فادرجي، وقد سبق أن رفعت الجلسة في الرد عليك، إنما هذا تسجيل لإقرارك بعدالة رميك بالتشبع بما ليس فيك.
والموضوع ليس شخصيّا، ومرة أخرى لما تدخل بموضوع حاول أن تكون على علم به، قبل أن تحوم حول تكفير غيرك فيه، ثم تصيح ما لنا ولهذا، سواء كان يقول بالقبليات أو لا!
وأجيب في الختام عن قولك "لو كان مذهبه فيها هذا وذاك فماذا يثبت هذا؟" يثبت أنك متلصق، فقد كان الحديث عنه، وعن تحقيق مقالته، ولكنك آثرت التهريج، والإشارة لنفسك، وهو ما لم تستحق عليه أن أسميك باسمك عليه في ردودي مرة واحدة، ووضعت مقالتك تحت جنازير الحجج.

ودمتم بخير.

اختصار الموضوع مع شغب المقلّدين، في مسألة القبليات

 28 أكتوبر 2017

اختصار الموضوع مع شغب المقلّدين، في مسألة القبليات

حتى نختصر الحكاية، وترون حال هؤلاء المخبصين في نظرية المعرفة، اعترض من جعل من أجازه عكّازه، ليخوض في هذه المباحث، إثباتًا للمعرفة القبلية بقوله:
"ما معني قول ابن تيمية بان العلوم بدأها الله في قلب الانسان؟ ((فلا بد من علوم بديهية أولية يبدؤها الله في قلبه)) "
بطبيعة الحال الحوار مع أمثالهم صار تضييغ وقت، لكن سريعًا إكرامًا للمتابعين:
هذا النص له ما يماثله في كتابات ابن تيمية، خذ مثلًا:
"وأما البديهيات - وهي العلوم الأولية التي يجعلها الله في النفوس ابتداء بلا واسطة مثل الحساب وهي كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين"
(مجموع الفتاوى، ج 9، ص 71.)
إذن هناك أوليات بلا واسطة، ما معنى الواسطة هنا، والمثال المضروب على أنه أولي بديهي مهم جدًا احفظه.
نبدأ بالواسطة:
1- أما الواسطة فالمقصود منها " الحد الاوسط في القياس، وهو ما يقرن باللام في قولك: "لأنه"، وهذا هو الدليل، والدليل هو وسط في الذهن للمستدل ليس هو وسطاً في نفس ثبوت الصفة للموصوف" (الرد على المنطقيين، ص398.)
يعني ليس المنفي هنا توسط الحس، إنما يقصد توسط دليل، وهذه الأوليات تعني أنك تصدق بها دون طلب دليل عليها، بل بمجرد تصور الواحد، والاثنين، تدرك أن الأول نصف الثاني دون واسطة دليل! بخلاف مثلًا رقم من خانات كبيرة، تطلب الدليل عليه وتقوم بعملية حسابه.
نأتي للمثال المذكور، (الواحد نصف الاثنين) هل هذه قبلية بمعنى تسبق أي تجربة؟
يقول ابن تيمية في نفس المثال:
2- "حتى مثل علمه بأن الواحد نصف الإثنين، وأن الضدين لا يجتمعان: هو في ذلك كله قد أدرك بحسه ذلك في بعض الأجسام والأجساد والألوان المتضادة، وعقل ما لم يحسه مثل ما أحسه في ذلك، وأن الحكم لا يفترق: واحد وواحد، جسم وجسم ولون ولون، وضد وضد: يحكم بذلك حكماً عاماً كلياً."
(بيان تلبيس الجهمية، ج4، ص169.)
يعني حتى الواحد نصف الاثنين بدأه بحسه بداية، في الأجسام، ثم عمم بحكم كلي وهذه قضية كلية، فكل اثنين نصفها واحد، هذا الحكم الكلي، هل هو قبلي التجربة؟
يقول ابن تيمية:
3-"خاصة العقل معرفة الكليات بتوسط الجزئيات" (الرد على المنطقيين، ص368.)
لاحظ توسط الجزئيات هنا لا نقول توسط الاستدلال.
ويقول:
4-"الكليات في النفس تقع بعد معرفة الجزئيات المعينة" (نفس المرجع ونفس الصفحة.)
المعينات يعني الموجودات الثابتة المحسوسة، بعد أن يرى جسمين، مثلًا في الواقع، يعني الواسطة المثبتة، هي واسطة الحس، أما المنفية هي واسطة الاستدلال.

وبعد هذا يقال: لا تفهمون هذا، هذا شأنكم لكن حذلقتكم في المسألة بل والتشنيع حد التكفير، يدل على سفاهة أحلام، كما وصفها خير الورى، وأمثالكم حقيق به السخرية لا الدرس ولا المناظرة.