‏إظهار الرسائل ذات التسميات قبليات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قبليات. إظهار كافة الرسائل

12.17.2017

سفسطات المتمسح بالبحث الفلسفي في أصل المعرفة والتعقل

 26 أكتوبر 2017

سفسطات المتمسح بالبحث الفلسفي في أصل المعرفة والتعقل

1

في كل بحث متمسحون، وآخر الصيحات تلصق مهذار بالبحث الفلسفي، لا بل في أحد أعمق مباحثه، تجده لا يعرف غير الحشو، فتبحث عن جملة مفيدة في مقاله فلا تكاد تظفر بواحدة، فإن ظفرت بعد عناء كان باقتباس عن غيره لا جهد له فيه إلا نقله.
فقال أرسطو، ونسب إلى ابن رشد والله أعلم بصحته عنه! وقال الأمير عبد القادر، حشو لا علاقة له بالمبحث.
ثم أخرج أضغانه، بعيّ لا يحسن بيانه، ولو سكت عن النيل من خصومه، لكفى بسطوره منادية عليه بالإزراء، لكنه جاهل صائل، فرمى خصومه بالسفالة والنذالة والتعصب والسوقية.
لماذا؟ لأنهم لم يقولوا بالمعرفة القبلية، ومن قبل رماهم بالمتأسلمين والإلحاد، فهناك مناقشون يبحثون عن الحق وهناك من يبحثون عما يظهر خزيهم، فيقال له هون عليك، فلعل خصومك يسلمون لك بالأوصاف التي رميتهم بها بأنها قبلية فيك، ويلتمسون لك الأعذار إذ لا كسب لك فيها، فلم ذاك الحرص منك على إثباتها، فما هذه بالتي ينازعونك فيها!
ثم تحذلق قائلًا عن نفسه:
"
نحن أهل دين فلسفتنا وفكرنا عقيدتنا"!
فيقال: لا تحسن البحوث الفلسفية مع تصدرك فيها فذا لعله جبر بلادة، والناس يتفاوتون في الأذهان، لكن أن تخلط في مسائل الشرع فبذا يتوجه الإنكار عليك، فليست العقيدة فلسفة حتى تجعلهما واحدًا، بل العقيدة الإسلامية وحي، والفلسفة جهد بشري ومنتجات عقول، فلا يجوز وصف المعتقد الديني الإسلامي بأنه فلسفة، لكن هناك فلسفة توافق المعتقد تعبر عن معاني العقيدة، وهي الفلسفة الصحيحة التي توافق ما جاءت به الرسل، أما العقائد فتلك ما قالته الرسل، وهي مستقلة عن الفلسفة.
وكما يوجد شعر عبر عن عقائد الإسلام كشعر حسان بن ثابت، لكن لا يقال شعرنا عقيدتنا ولا عقيدتنا شعرنا! فالعقائد مستقلة عن الشعر.
فعرفت أنك تخوض فيما لا تحسنه لا شرعًا ولا عقلًا؟
ثم يقال: على هذا من جحد كلامك في الفلسفة فقد كفر بعقيدتك، أليست فلسفتك ودينك واحدًا؟
ولما كانت فلسفتك منك وعقيدتك تنسبها إلى الله، فكلامك فيها يكون كلامه تعالى، وأمرك أمره، ونهيك نهيه، فإما أنك تدعي العصمة حتى توفق لهذا، أو الحلول حتى يتحد الأمران، أو أنك مهذار وهو المختار، التماسًا للعذر عن المسلمين، ورفعًا للتكليف عن المجانين.

2

ولم يكن للمسفسط يومًا وزن ما في معترك مسألة إثبات القبليات أو نفيها، ولكنه أحب ركوب الموجة، وغرّه عامة رفعوا من شأنه، فبدأ يعزف لحن كلام أمثاله المعهود بأن مخالفيه متأسلمون، فلمّا قوبلت جلبته بما يضعه عند حدّه، غيّر من صيغة ردّه، فقال عنهم بأنهم "الظاهرة السلفية الجديدة"، وأنهم "هواة الفلسفة من السلفيين"، فهل السلفيون يرادفون عنده كلمة متأسلمين؟
فحكمه على مخالفيه بأنهم هواة في الفلسفة، لنفرض صحته فيهم تمامًا، فليس من نواقض الإسلام أو منقصات الإيمان أن يكون المرء هاويًّا في الفلسفة! وهب أنهم أخطأوا في مسألة فلسفية، فهل يقال في المخطئ بالرياضيات متأسلمًا؟ يتصنع الإسلام وليس منه، فهذا الرجل مهذار، وأحكام الله ليست تابعة لحق العبد، حتى يكفّر أو يفسق من يخالفه، فكيف وهو المخطئ؟ وليس بأهل لأن يبحث في مثل هذه المسائل، وإنما تنبئ مسارعته في الطعن بتدين الخلق، بخفة عقل وغمط الناس وبطر الحق، وتوجه الإنكار عليه بتشبعه بما لم يعط.
ومن فرط تواضعه تعيير مخالفيه بأنهم في مرحلة طلب العلم، فأشفق عليهم دخول الفلسفة "في وقت لا يجب عليهم فيه تبني الآراء الفلسفية لأنها مرحلة طلب"، ولكن طلاسم ما سطره فقد كتبها "لطالب علم حقيقي عنده شغف بالعلم"!
فيقال له ها وقد اعترفت لهم بالطلب، فهم لا يرونك إلا في بطالة وشَغَب، والعلم من المحبرة إلى المقبرة، أما هو وقد اعتبر نفسه قد انتهى، فبمثله يتندر أولو النهى.
وأسهب حشوًا بما لا تحرير لموضع النزاع، ولا يظهر أنه فهم أصلًا معنى المثالية والمادية، وبدأ ينسخ ويقتبس، وزعم أن فلسفته فوق المثالية والمادية، بحجج خطابية لا محصّل تحتها، ولا معنى فيها غير الحشو والتطويل، وضرب مثالًا بالروح بأنها غير معلومة إليه، وبعبارته بأنها " ليست على مفهوم الروحانية، ولا على مفهوم المادية".
مع أنها على مفهوم المثالية التي يسميها روحانية لها مفهوم ككونها غير متحيزة فليست في الجسم ولا خارجه، وعلى مفهوم المادية قال فيها ابن تيمية:
"الروح التي فينا جسم يتحرك"(بيان التبليس،ج4، ولو كان لا يمكن أن توضع في أي مفهوم ما وصفها بالجسم!
ويذكر أن ابن تيمية أثبت ضروريات لا علم قبلها، والسؤال لا عن علم قبلها، بل عن سبب تلك الضروريات، فكأن السؤال عن السبب مرادف للسؤال عن علم قبلها! فإن لم يكن لها سبب فهذا يعني أنها ليست مخلوقة، وإن زعم أن لها سببًا، فمن قال بأن السبب ينحصر بنظر واستدلال! فما هو سببها؟ 
ابن تيمية ينص صراحة أنه الحس الباطن والظاهر، ويساوي بينهما في نقل المعرفة، وأن الدماغ هو ما ينتجها، بدون تطويل فارغ.
لكن المسفسط يقول: 
"المحسوسات الظاهرة، فهذه ضروريات بعدية ليست أولية قبلية، بخلاف الحس الباطن"
فيا لتحرير النحرير! فها هو أظهر براعته..
الحس الباطن قبلي، أما الظاهر بعدي، وهكذا حل المشكلة تمامًا، على هذا تعريف القبليات عنده: هي ما أفاده الحس الباطني!
إن أحس بالجوع أو العطش أو الحزن، والغضب لا والحسد والإخلاص والخشوع والتوكل، والخوف، والمحبة، قبل أي شيء كان هذا!
قبل التجربة وقبل المادة وقبل وجود الإنسان نفسه!.
هذا الرجل لا يتصور المسائل.
ص560.)

عن المعارف القبلية

 11 أكتوبر 2017

عن المعارف القبلية

1

هناك سؤال يقول:
(
سؤالي عن المعارف البعدية لم أورده لأنني أتبنى المعارف القبلية ولكنني أوردته لأن هذا السؤال هو عمدة المذاهب المادية الإلحادية. ولا يخفى عنكم أن من يتبنى المعارف القبلية يرد على كلامكم بأن ما تأخذونه عليها من كونها لا تعتمد على أي محسوس هو عين تميزها لأن مصدريتها تتعالى على الحس والمشاهدة ولا تخضع لهما وتنفصل عنهما.)
: كونها تتعالى عن الحس والمشاهدة هو سبب الإشكال فيها، وحتى نعرف المقصود بالمذاهب المادية الإلحادية التي تصبح شماعة يعلق عليها عدم الاتساق الفلسفي يقال:
كما هو معلوم هناك وجود ذهني، وهناك وجود واقعي خارج الذهن، والفلسفات المثالية تخلط بين الوجودين سواء زعمت وجود الذهنيات الكلية في الواقع الموضوعي مثل فيثاغوروس، وأفلاطون وغيرهما، أو تنطلق من الوعي الذاتي كباركلي.
فما الضابط للوجود الذهني والواقع الخارجي؟ الماديون يقولون إن الواقع يمكن معرفته بالحس، على سبيل المثال الحصان الفردي يمكن الإشارة إليه، يمكن مشاهدته، وله صفاته الخاصة به فهذا حصان أسود ذلك أبيض ذلك كبير ذلك وسط.
أما نوع الحصان فلا يمكن أن نحس به في أي زمان، ولا في أي مكان، كذلك حصان مطلق يعم الأحصنة جميعًا على سبيل البدل، لا باستغراق العموم كما هو الكلي المنطبق بالشمول.
هذا وجود ذهني ولا وجود له في الخارج.
المذاهب المادية إنما ألحدت بالإله المثالي الذي قالت به الفلسفات المثالية، كفرت بإله لا في العالم ولا خارجه، لا يشار إليه، لا يمكن الإحساس به.
هذا وافق عليه ابن تيمية فهو تابع للفلسفة المادية يقرر أن كل ما لا يقبل الحس ليس موجودًا في الواقع.
نأتي إلى القبليات، المثاليون لكي يثبتوا هذا الإله المزعوم خارج الذهن كما هو عند أفلاطون مثال المثل، أو عند أرسطو مفارق لا يتحرك لا يمكن معرفته بالحس، انطلقوا من معرفة مزعومة لا تمر عن طريق الحس، فقالوا نبدأ من المتعالية عن الحس ذي ونتسلسل إلى أن نصل إلى إثبات المجردات الخارجية تلك، ووردت عليهم مشكلة كبيرة كيف يمكنهم إذن معرفة الواقع المحسوس؟
أفلاطون كان الأكثر اتساقا فيضحي عنده الواقع المحسوس شبحي، غامض، لا يمثل معرفة حقيقية، ومن هنا قال كانط بأن فضيحة المثالية أنها مضطرة أن تتعامل مع هذا العالم، دون أن يكون فيها أي دليل عليه، بل مجرد الاعتقاد بأنه موجود.
أما أرسطو فقد وقع في ثنائية فلسفية يعني يثبت عالمين متوازيين،عالم مثالي وآخر مادي،دون أن يقدر على إقامة علاقة بين العالمين، ولذا فهو قلل قوله بأي ارتباط بينهما فالإله لا يعلم هذا العالم فقط يعلم نفسه ولم يخلقه انما يحركه وكيف يحركه بعشق الموجودات له.
فالقبليات ربيبة هذه المذاهب التي أثبتت آلهة هي في الواقع مجرد تقدير ذهني لا توجد في الواقع.
أما ابن تيمية فخالف الملحدين من الماديين في الزعم بأن أي إله ليس إلا مثالا كما يقوله المثاليون بأنه محض فكرة ذهنية، بل قال يوجد إله في الواقع يمكن معرفته بالحس وقد كلم موسى تكليما وأرسل الرسل بكلامه وكلامه يدرك بالحس فهو صوت وحرف ومعنى.
كما نصر أن المؤمنين سيرونه حقيقة يوم القيامة.
ورفض جعل الغيب مرادفا لغير القابل للحس، كما قاله بعضهم في تفسير الميتافيزيقا، بل هو قابل للحس، والغيب ليس إلا نسبة إلينا لا أنه بذاته غير محسوس.
فإن صح التخويف بالإلحاد لنفي القبليات فهو الألصق على القائلين بها، وسلفهم فيها أحدثوا في الأديان من تحريف وتمهيد للنفي الصريح ما هو عظيم.

2

سؤال يقول:
(ما الذي يجعل الوظيفة العقلية المتمثّلة في التجريد ثم التعميم المرادف لقياس التمثيل والتي أنتجت المعرفة الضرورية المابعدية من المحسوسات العينية يقينية ضرورية وهي لم تختبر كل محسوس، وكأننا جعلنا مرجعية الضرورة هنا يعتمد على العقل مرة أخرى ولكن كأداة اكتساب وليس كمعرفة قبلية وهي درجة أقل!..ثم هم يزايدون في هذة النقطة ويقولون سلمنا لكم بأن التعميم العقلي بين المتماثلات يقيني بذاته، فلماذا تستخدمون تلك المعرفة الضرورية في تقرير السببية على ما هو خارج هذا العالم مثل إبطال التسلسل في الأسباب الخارجة عن هذا العالم والتي قد تفتقد المثيل لها في عالمنا هذا؟!)

 يقال: في هذا السؤال أكثر من شق، لنأخذ المسألة الأولى كيف يقضي العقل أصلا بتماثل الأشياء، بتكرار التجربة، لابد من تكرار للرصد الحسي حتى نحكم بصفة عامة، مثلا الخشب يقبل الاحتراق، هذه ليست من مرة، بل عدة مشاهدات، ترصد فيها السبب والمانع والشرط، وتجرد من كل هذا قوانين علمية، أو يكون الرصد أعم من ذا للوجود فتجرد قوانين للفكر ونحو ذا.
وتحكم بصحة معرفتك لا بانطباقها على الواقع، بل لأنها تابعة للواقع نفسه، ولما شكك ديكارت بالحواس مثلا، قال بأننا لو وضعنا ملعقة في كأس من زجاج، وملأناها بالماء إلى النصف، فإننا سنرى الملعقة مكسورة، لكن لو أخرجناها ستكون بلا كسر، أو لو أمررنا إصبعنا عليها وهي في الماء لن نلحظ أي كسر، وما قاله هنا محض مغالطة، حيث شكك بالحواس للخداع البصري ولم يجد أن يحتج على أن ذلك خداع إلا التجربة الحسية بالبصر أو غيره، فعاد إلى التجربة.
الشاهد أن التكرار هو الذي يبلور الكليات وليس مجرد مدخل حسي واحد، بل يكون من عدة جوانب في ظروف متنوعة نستنبط منها قانونا.
القضية الأخرى أننا لم نرصد كل محسوس، وحول هذا قيل هنا معضلة الاستقراء، وهذا محض مغالطة فنحن لا نقوم بالتعميم بمجرد الاستقراء حتى تحصر مشكلة التعميم بالاستقراء، إنما نقوم بذلك عن طريقين في المقام الأول التمثيل والأولى، فالحريق بورقة نقضي بأنه سيشد إن زدنا أوراقًا أخرى عبرة بما سبق أن عرفناه من خواص الأشياء، وبالأولى إن كان بغابة قابلة للاحتراق، فأين الاستقراء هنا،إنما هو مثل وأولى.
فما جردناه من التجربة يتبلور في العقل، ويعمم تجارب أخرى زادت أو تماثلت.
ولما عرفنا عددا كبيرًا من الأحصنة مثلًا بأنها ليست لاحمة (لا تأكل اللحم) وأهداك شخص حصانًا فلن تقدم له اللحم، اعتبارًا بأنه مماثل للأحصنة التي خبرتها وليس هذا من مجرد الاستقراء بل العقل أدرك خاصية في نفس الحصان أنه ليس لاحمًا عن طريق ملاحظة صفاته كالأسنان والحافر، وغياب الناب والمخلب فعلم أنه غير مهيء للافتراس.
فالعقل يطرد المعين إلى كليات بالمثل والأولى، أما آليات معرفة المثل والأولى فقد استلها العقل من الواقع أيضًا، فلما يجد حصانًا أبيض وآخر أسود مع تماثل في الصفات يقضي بأن اللون ليس مؤثرًا في تماثل الأحصنة بأنها ليست آكلة للحوم.
وهكذا يفكر في الأمور الدقيقة بشكل تجريدي أكبر، ويصبح يسبر ويقسم وينقح المناط ونحو هذا بما استله أساسًا من الواقع.
أما القول بأن هذا يجعل العقل مجرد آلة اكتساب فهذا غير صحيح، إذ العقل يعمم الجزئي عن طريق الحس ويطرده ليقيس ما غاب على ما شهد، ولو كان محض آلة اكتساب لبقي من جزئي إلى جزئي لا إلى كلي.
أما الإشكال الأخير كيف سيتم طرد السببية مثلا في عالم غير عالمنا المحسوس، فهذا السؤال قائم على ثنائية فلسفية تحسب أن العالم هذا مادي وغيره مثالي.
وهذا باطل، فالمادية ترى الوجود كله بمعيار لا يخرج عن وحدة كونه موجودًا وضابط ذلك الحس، ومن هنا يقول ابن تيمية بتشابه كل الموجودات من وجه دون وجه، وقابليته للحس هذا أخص مواطن الاتفاق بينها بحيث لو كان شيء لا يمكن رصده بالحس فهو ذهني ليس واقعيا في الخارج.
ومن هنا فقانون السببية في كل الموجودات بجامع قابليتها للحس، إما بالمثل أو الأولى، وابن تيمية لا يستعمل إلا الأولى في إثبات الله.
بل ويستعمله في إثبات اليوم الآخر.
فكل الوجود لا يختلف من حيث قابليته للحس وإلا لم يكن موجودا.
ولما زعم المتدينون المثاليون عالما مختلفا بقابلية الحس عن العالم المحسوس، حكم الماديون بنفي ذلك العالم في الواقع، وقالوا هو في الذهن فحسب.
ووردت عليهم كيف سيطبقون السببية في عالم غير محسوس، فزعموا قبلية هذه المعرفة وهي توقعهم في مشكلة مع العالم المحسوس.
كيفما دار فإن إثبات القبليات مخالف لابن تيمية تماما اتفقت معه أو اختلفت.
ولنتفق على عدم تشويهه مراعاة لفكرة تراها واردة على طرحه وقد لا تكون واردة بنفسها.
مودتي
.

حتى لا يشوّه صرح ابن تيمية النظري

 10 أكتوبر 2017

حتى لا يشوّه صرح ابن تيمية النظري

1

عديدة هي تلك الدراسات التي تنبهت إلى الطرح الفلسفي الكامن في مؤلفات ابن تيمية، وتعرضت له، وبقطع النظر عن مقصد أصحابها، وجهدهم العظيم فيها، إلا أنها لم تصور طرحه كما هو، بل زجت فيه بعناصر أجنبية عنه، ومن ذلك:
1.   أنه من المدرسة الاسمية: وهذا الطرح يرى أن ابن تيمية يمكن مقاربته مع المدرسة الاسمية في الفلسفة، هذه المدرسة تقول بأن الكليات لا في الذهن ولا خارج الذهن، وإنما هي أسماء تدل على الخارج فحسب، ومن هنا اكتسبت تسميتها، ومن أوائل من قارن ابن تيمية بالاسمية علي سامي النشار في كتابه (مناهج البحث) بحجة أن ابن تيمية لا يقول بكليات خارجية، وهذا حيدة عن قولهم لا كليات في الذهن وهو ما يخالفهم فيه ابن تيمية صراحة.
وتتابعت دراسات على ذلك منها دراسة أبي يعرب المرزوقي (إصلاح العقل) وقد أبعد فيها النجعة، وتكلف فيها الصعب ولم يصب فيما ذهب إليه.
2.   أن ابن تيمية من المدرسة التصورية: وهذا القول ضد القول السابق، وممن قال به سلطان العميري في كتابه (الحد الأرسطي) ولم يصب فيه أيضًا، فالمدرسة التصورية تقول بأن الكليات في الذهن لا في الخارج، إلا أنها قالت بتصورات قبلية تشكل ضرورة لمعرفة الواقع، ومن ذلك فإنها تقول بأن المحمول للموضوع لا يوجد إلا في الذهن، وهذا لوحده كافٍ لصدقه، فترد المعرفة إلى التصور ومن هنا جاء اسمهم، وهو ما يرفضه ابن تيمية فالكلي الذهني عنده لا يكفي لمعرفة الواقع، ولابد من علم معيّن، كما أنه لا يقول بأي معرفة قبيلة أي تسبق الحس.

2

ومن المقالات التي جانبت الصواب في تصوير أطروحات ابن تيمية:
3.   الاعتقاد بمعارف قبلية (أي تسبق أي حس) وهذه المعارف من صفتها أنها كلية وضرورية: وممن اشتهر بذا كتاب (منهج ابن تيمية المعرفي) لعبد الله الدعجاني، والواقع أن وصفه للقبليات بأنها كلية وضرورية هو مجرد ترديد لكلمات كانط التي قالها في (نقد العقل المحض)، ووقع بخلط بين مقامين:
                                 i.            ما يسميه ابن تيمية بـ(أسباب الإدراك) وهي مرحلة تشكل الوعي، وهذه عند ابن تيمية منطلقها الواقع الموضوعي بتوسط الحس الذي ينقل ذلك إلى الدماغ، وبعد تكرار نقل الحس يبلور الدماغ أفكاره الكلية، فما يعتبرونه قبليًا هو في الواقع نتيجة بعد الحس في تشكل الإدراك.
                              ii.            وهو داخل عملية الإدراك بعد تشكلها يوجد أوليات وضروريات ونظريات عند ابن تيمية، وذلك في مقام الاستدلال وترتيب الحجة، ويكون هذا في الإدراك لا قبله، والقائلون بنسبته إلى المعرفة القبلية خلطوا بين الأمرين، وخضعوا لخطابات سبقتهم، مثل نظرية المعرفة للكردي والذي بدوره سلك مسك الصدر في كتابه فلسفتنا وقال بالقبليات المعرفية.
4.   نفي المعقولات عن ابن تيمية: وذلك لابتدائه بالحس في عملية الإدراك، ومن أشهر القائلين بهذا سعيد فودة، ثم تتابع بعده من لاك هذه المقالة، وهي مقالة خصومة لا يوجد فيها نسبة من حق أو إنصاف، فابن تيمية ينازع بوجود غير المحسوس أي القابل للحس في الواقع، لا ينازع في وجود المعقولات في الذهن، وهذا الاتجاه يتقاطع بشيء ما مع الذين نسبوه إلى الاسمية من حيث نفي الكليات.

3

ومن المقالات التي جانبت الصواب في تصوير أطروحات ابن تيمية:
5.   اعتبار أنه من رواد التجريبية، وفي هذا الفلك دارت عدة مقارنات بحجة أنه يبدأ بالحس، ويركز عليه في المعرفة وبعضهم قاربه ببيكون، وهو وإن التقى مع بيكون في جزئية الانطلاق من الجزئي إلى البناء الكلي فإنه يخالفه في تزهيد بيكون في مباحث الفلسفة بشكل عام، إلى درجة اعتباره من أجداد الوضعية العلمية التالية، فابن تيمية يؤكد على أهمية الحس ولا يتوقف عنده، بل هو مجرد خطوة في إطار المعرفة، وإلا فتتلوها خطوات مختلفة نوعيًا، كالبحث المنطقي والفلسفي.

6.   اعتبار أن ابن تيمية لا يعول على العقل في إثبات وجود الله، وذلك لما قرأ بعضهم أنه يعتبر أن معرفة الله ضرورية عنده، وهذا تخليط، فالضروري يأتي في المقام الواضح في العقل الذي لا يحتاج فيه إلى استدلال عليه، لا أنه نفسه لا دليل عليه (فالأول لا حاجة الثاني لا يمكن)، والضروريات عند ابن تيمية نسبية بين البشر ومن هنا فقد لا يجد بعضهم إثبات وجود الله ضروريًا وهذا واجبه أن يستدل، وهكذا كان حكم ابن تيمية في مسألة هل أول واجب النظر أو الإيمان.

افسحوا لي المجال!

30 أكتوبر 2017

افسحوا لي المجال!

هذه خلاصة ما يريده المتصدر في نقاش مسألة هل ابن تيمية قال بالقبليات أم لا؟ وزعم زورًا أنه قال بالقبليات وهو لا يتصور معناها! ولما تفسخ ستر جهله، وبان ما تحت تزويق كلامه من فضح أمره، وبعد إكثاره من الحشو والتطويل مع الاستطالة على خلق الله، ولم يصفق له فيها إلا كل من هو عن هذه المباحث ساه، قال:
(هل نحقِّق المسائل العلميْة من منظور الشَّرع والضَّرورات العقليَّة والواقعية أم نحقِّق مذهب ابن تيميَّة فيها؟ 
وإذا فرضنا أنَّ مذهبه فيها هذا أو ذاك فماذا يثبت هذا؟
هل يثبت أنَّ الشَّريعة، والحقيقة كحقيقة في أي مجال هي ما قاله ابن تيميَّة؟
تحقيق مذهب ابن تيميَّة قضيَّة ثانوية في تقرير الحقِّ الشَّرعيّ)
بحق؟ فيقال هذه نقلة، والنقلة في الجدل انقطاع، فالحديث كان في تحقيق نسبة قول القبليات لابن تيمية، وليس في بحث ما ينسبه (فضيلك) إلى الشرع! ولكن صدى كلامك يقول: نحن هنا، افسحوا لنا المجلس، فلم يدعك أحدٌ للحوار في الموضوع، إنما زججت بأنفك فيما لا تحسنه.
ولولا هذا ما قلت: "لو كان مذهبه فيها هذا أو ذاك فماذا يثبت هذا؟"
ماذا يثبت؟ يثبت أن الكلام ويشهد كل متابع كان في تحقيق مقالة ابن تيمية، ولو كان البحث عندك يستوي فيه هذا وهذا ما رميت من حقق مذهب ابن تيمية على وجهه بأنه متأسلم! ونشأ في بيئة إلحادية، ثم لما حوصرت قلت: ما لنا ولابن تيمية! ونقلت الحديث إلى غيره فقلت: نتحدث عن الشرع!
إنها بعبارة أخرى افسحوا لي المجال، أريد أن أدلي بدلوي، عذرًا، ما هذا بعشك فادرجي، وقد سبق أن رفعت الجلسة في الرد عليك، إنما هذا تسجيل لإقرارك بعدالة رميك بالتشبع بما ليس فيك.
والموضوع ليس شخصيّا، ومرة أخرى لما تدخل بموضوع حاول أن تكون على علم به، قبل أن تحوم حول تكفير غيرك فيه، ثم تصيح ما لنا ولهذا، سواء كان يقول بالقبليات أو لا!
وأجيب في الختام عن قولك "لو كان مذهبه فيها هذا وذاك فماذا يثبت هذا؟" يثبت أنك متلصق، فقد كان الحديث عنه، وعن تحقيق مقالته، ولكنك آثرت التهريج، والإشارة لنفسك، وهو ما لم تستحق عليه أن أسميك باسمك عليه في ردودي مرة واحدة، ووضعت مقالتك تحت جنازير الحجج.

ودمتم بخير.

اختصار الموضوع مع شغب المقلّدين، في مسألة القبليات

 28 أكتوبر 2017

اختصار الموضوع مع شغب المقلّدين، في مسألة القبليات

حتى نختصر الحكاية، وترون حال هؤلاء المخبصين في نظرية المعرفة، اعترض من جعل من أجازه عكّازه، ليخوض في هذه المباحث، إثباتًا للمعرفة القبلية بقوله:
"ما معني قول ابن تيمية بان العلوم بدأها الله في قلب الانسان؟ ((فلا بد من علوم بديهية أولية يبدؤها الله في قلبه)) "
بطبيعة الحال الحوار مع أمثالهم صار تضييغ وقت، لكن سريعًا إكرامًا للمتابعين:
هذا النص له ما يماثله في كتابات ابن تيمية، خذ مثلًا:
"وأما البديهيات - وهي العلوم الأولية التي يجعلها الله في النفوس ابتداء بلا واسطة مثل الحساب وهي كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين"
(مجموع الفتاوى، ج 9، ص 71.)
إذن هناك أوليات بلا واسطة، ما معنى الواسطة هنا، والمثال المضروب على أنه أولي بديهي مهم جدًا احفظه.
نبدأ بالواسطة:
1- أما الواسطة فالمقصود منها " الحد الاوسط في القياس، وهو ما يقرن باللام في قولك: "لأنه"، وهذا هو الدليل، والدليل هو وسط في الذهن للمستدل ليس هو وسطاً في نفس ثبوت الصفة للموصوف" (الرد على المنطقيين، ص398.)
يعني ليس المنفي هنا توسط الحس، إنما يقصد توسط دليل، وهذه الأوليات تعني أنك تصدق بها دون طلب دليل عليها، بل بمجرد تصور الواحد، والاثنين، تدرك أن الأول نصف الثاني دون واسطة دليل! بخلاف مثلًا رقم من خانات كبيرة، تطلب الدليل عليه وتقوم بعملية حسابه.
نأتي للمثال المذكور، (الواحد نصف الاثنين) هل هذه قبلية بمعنى تسبق أي تجربة؟
يقول ابن تيمية في نفس المثال:
2- "حتى مثل علمه بأن الواحد نصف الإثنين، وأن الضدين لا يجتمعان: هو في ذلك كله قد أدرك بحسه ذلك في بعض الأجسام والأجساد والألوان المتضادة، وعقل ما لم يحسه مثل ما أحسه في ذلك، وأن الحكم لا يفترق: واحد وواحد، جسم وجسم ولون ولون، وضد وضد: يحكم بذلك حكماً عاماً كلياً."
(بيان تلبيس الجهمية، ج4، ص169.)
يعني حتى الواحد نصف الاثنين بدأه بحسه بداية، في الأجسام، ثم عمم بحكم كلي وهذه قضية كلية، فكل اثنين نصفها واحد، هذا الحكم الكلي، هل هو قبلي التجربة؟
يقول ابن تيمية:
3-"خاصة العقل معرفة الكليات بتوسط الجزئيات" (الرد على المنطقيين، ص368.)
لاحظ توسط الجزئيات هنا لا نقول توسط الاستدلال.
ويقول:
4-"الكليات في النفس تقع بعد معرفة الجزئيات المعينة" (نفس المرجع ونفس الصفحة.)
المعينات يعني الموجودات الثابتة المحسوسة، بعد أن يرى جسمين، مثلًا في الواقع، يعني الواسطة المثبتة، هي واسطة الحس، أما المنفية هي واسطة الاستدلال.

وبعد هذا يقال: لا تفهمون هذا، هذا شأنكم لكن حذلقتكم في المسألة بل والتشنيع حد التكفير، يدل على سفاهة أحلام، كما وصفها خير الورى، وأمثالكم حقيق به السخرية لا الدرس ولا المناظرة.

6.24.2017

عن منهج ابن تيمية المعرفي



23 مارس 2016

عن منهج ابن تيمية المعرفي

1

ابن تيمية ليس متناقضا فلسفيا بل منهجه متسق و من يتهمه بالتناقض لاهوتي يرتمي في احضان المثالية.
قالها ابن تيمية مرارا وتكرارا لكن كاره الشيء لا يسمعه ولا يصغي اليه.
الطريف ان تجد من يصفق للشهري كونه قال بان التعقل من داخل الانسان ولا يدرك ان هذا معناه ارتباط العقل بالمادة مهما كان موضوعها عند الشهري.
لا يوجد معرفة افلاطونية تسبق الحس.. نصوص ابن تيمية صريحة في هذا تخنق المزاج اللاهوتي تماما.
لكن يتعلق البعض بالفطرة!.
حتى الفطرة مرتبطة عند ابن تيمية بالحس ويمثل على هذا بإحساس الولد بحاجته لامه ومن باب اولى بخالق!
لكن بدل ان يراجع الواحد منهم نفسه يتسنم مرتفعا ليقول بان ابن تيمية متناقض انطلوجيا!
احسب لو ان هؤلاء بقوا في اطار حدثنا واخبرنا والنسخ واللصق لكان خيرا لهم من الولوج في البحوث الفلسفية.
على اي حال..
كل شيء بوقته حلو..

2

اتفهم ان يخالف واحد ابن تيمية في مسائل فقهية وينتسب اليه لكن ان يخالفه في نظرته المعرفية عموما وينتسب اليه! ماذا نسميها!
انتسب لغيره سيتسعك اكثر.. ولكن ان تنتسب اليه لتزج لاهوتك وتفرغه بلسان ابن تيمية فالامر ضيق عليك هنا.
وكل مثالية ينحاز اليها رجل ينتسب لابن تيمية هي خيانة لمنهج دفع ابن تيمية نفسه غاليا في نصرته.
وهؤلاء كثر يبثون كلامهم في دراسات دكتوراه وبحوث جامعية ووسائل دعوية.
وهؤلاء لن يكونوا بمنأى عن تعريتهم في هذا التلفيق المقزز.
وكل رسالة او كلمة في نصرة هذا تحث مطرقة النقد على طرقها..

3 الفطرة..

لما تبحث في ابن تيمية الف باء ألا تسقط تصورات المثاليين عن الفطرة عليه..
فطريته ليست فطرة ابن سينا ولا لايبنتز ولا ديكارت.
الفطرة عنده تعني المكون الاصيل في الانسان.
كما انه يقول من الفطرة ان تأكل ما ينفعك وتترك ما يضرك.
لا يعني ان قوائم الاطعمة معروفة في ذهنك قبل اي تجربة!
بل تكوينك مهيء للنافع والبعد عن الضار.
مثلا الانف يشتم الرائحة قبل ان توضع في الفم..
فان كانت جيفة متعفنة عافها الانسان فطريا.
لا يعني انه ولد وهو يعرف ان الجيف لا تؤكل.
لكن المارستان المثالي يتحدث بطريقة أخرى! هناك معارف تسمى الفطرة! يولد بها الانسان.
بالمناسبة الفطرة بالمعنى التيمي لا ينكرها الماديون وتسمى الواقعية الساذجة.
اي رجل في الشارع يقول باستقلال العالم عنا وعن إدراكنا له.. وان لم ينظم هذا بطريقة متسقة فلسفيا هذه فطرة.
واتعس السقطات من يخلط بين الاعتراف بخالق كفطرة وبين كونه معرفة اولية! لا تلازم بين كون الشيء ضروريا وكونه اوليا.

4

اللعب على المشتركات اللفظية حيلة الضعفاء.
ابن تيمية يقول معرفة الله اولية ضرورية.
ونصف المثالي يقول هناك اوليات: قبليات تسبق اي تجربة.
هذه الاوليات غير اوليات ابن تيمية!
وهي التي نصارع اهلها من مخلفات افلاطون وكانط.
ببساطة لان الاوليات عند بن تيمية تتفق مع كل القضايا في المعرفة فهي تتبع الحس لا تسبقه.
الثاني هي نسبية اضافية للانسألا تعود الى جنس القضايا.
ثالثا ان الاولي عند ابن تيمية هو الذي لا يتوسطه استدلال لا انه لا يسبق بحس!.
فالاولي عنده يختلف عن الاولي عندك.
فخلافنا لفطرة المثالي واولياته هو الخلاف.
ليس الموضوع مماحكة لفظية.
فلما ننفي الاوليات (بالمعنى المثالي) عن ابن تيمية لا يعارض هذا بذكره لاوليات عنده!.

5 ابن تيمية يقول بالأوليات!

اكتشاف مريع يفترض ان ترتعد الركب لهذا بل معرفة الخالق أولية عنده يااه لم نكن نتوقع!
اذهب الى الشاملة على يدك اليمين اي ابحث في الاوليات في الرد على المنطقيين ماذا سيظهر؟  
سيظهر الرد على سلفك المثالي الذي يفترض الأوليات غير مستلة من الواقع!
ماذا يقول ابن تيمية اذن: الأولي هو القضية البينة التي لا تحتاج الى برهنة! بينة ليست غير مسبوقة بالتجربة ثم ماذا يقول كون الشيء بيِّن أو غير بين؟ ليس سوى إضافي
جيد ماذا ايضا؟ القضايا ككل لا يوجد فيها نفسها تقسيم مؤثر انما هو نسبي اضافي!
جرب ابحث في الدرء ستجده يقول المعرفة تبدأ بالحس ثم يجرد العقل كليات.
جميل هذا يختلف إذن عن التأملات المسبوقة من سطور الدعجاني الذي يجعل الأوليات غير مسبوقة بالتجربة.
فابن تيمية عند ترجمته للمثالي نقول له ما تقول انت عنه ضروري هذا يمكن إقراره متى كان بعد الحس، اما قبلياتك المسماة اوليات فهذه بقايا لاهوتية فحسب.
لكنه الولع بكانط.. الذي يحرص على إيجاد اوليات تسبق الحس لإنقاذ ثالوثه المتهالك.
اما الفزع للغة والحيل اللفظية عند اخرين لتجاوز المسالة الاساسية في الفلسفة مجرد هروب من الازمة!