12.17.2017

افسحوا لي المجال!

30 أكتوبر 2017

افسحوا لي المجال!

هذه خلاصة ما يريده المتصدر في نقاش مسألة هل ابن تيمية قال بالقبليات أم لا؟ وزعم زورًا أنه قال بالقبليات وهو لا يتصور معناها! ولما تفسخ ستر جهله، وبان ما تحت تزويق كلامه من فضح أمره، وبعد إكثاره من الحشو والتطويل مع الاستطالة على خلق الله، ولم يصفق له فيها إلا كل من هو عن هذه المباحث ساه، قال:
(هل نحقِّق المسائل العلميْة من منظور الشَّرع والضَّرورات العقليَّة والواقعية أم نحقِّق مذهب ابن تيميَّة فيها؟ 
وإذا فرضنا أنَّ مذهبه فيها هذا أو ذاك فماذا يثبت هذا؟
هل يثبت أنَّ الشَّريعة، والحقيقة كحقيقة في أي مجال هي ما قاله ابن تيميَّة؟
تحقيق مذهب ابن تيميَّة قضيَّة ثانوية في تقرير الحقِّ الشَّرعيّ)
بحق؟ فيقال هذه نقلة، والنقلة في الجدل انقطاع، فالحديث كان في تحقيق نسبة قول القبليات لابن تيمية، وليس في بحث ما ينسبه (فضيلك) إلى الشرع! ولكن صدى كلامك يقول: نحن هنا، افسحوا لنا المجلس، فلم يدعك أحدٌ للحوار في الموضوع، إنما زججت بأنفك فيما لا تحسنه.
ولولا هذا ما قلت: "لو كان مذهبه فيها هذا أو ذاك فماذا يثبت هذا؟"
ماذا يثبت؟ يثبت أن الكلام ويشهد كل متابع كان في تحقيق مقالة ابن تيمية، ولو كان البحث عندك يستوي فيه هذا وهذا ما رميت من حقق مذهب ابن تيمية على وجهه بأنه متأسلم! ونشأ في بيئة إلحادية، ثم لما حوصرت قلت: ما لنا ولابن تيمية! ونقلت الحديث إلى غيره فقلت: نتحدث عن الشرع!
إنها بعبارة أخرى افسحوا لي المجال، أريد أن أدلي بدلوي، عذرًا، ما هذا بعشك فادرجي، وقد سبق أن رفعت الجلسة في الرد عليك، إنما هذا تسجيل لإقرارك بعدالة رميك بالتشبع بما ليس فيك.
والموضوع ليس شخصيّا، ومرة أخرى لما تدخل بموضوع حاول أن تكون على علم به، قبل أن تحوم حول تكفير غيرك فيه، ثم تصيح ما لنا ولهذا، سواء كان يقول بالقبليات أو لا!
وأجيب في الختام عن قولك "لو كان مذهبه فيها هذا وذاك فماذا يثبت هذا؟" يثبت أنك متلصق، فقد كان الحديث عنه، وعن تحقيق مقالته، ولكنك آثرت التهريج، والإشارة لنفسك، وهو ما لم تستحق عليه أن أسميك باسمك عليه في ردودي مرة واحدة، ووضعت مقالتك تحت جنازير الحجج.

ودمتم بخير.

اختصار الموضوع مع شغب المقلّدين، في مسألة القبليات

 28 أكتوبر 2017

اختصار الموضوع مع شغب المقلّدين، في مسألة القبليات

حتى نختصر الحكاية، وترون حال هؤلاء المخبصين في نظرية المعرفة، اعترض من جعل من أجازه عكّازه، ليخوض في هذه المباحث، إثباتًا للمعرفة القبلية بقوله:
"ما معني قول ابن تيمية بان العلوم بدأها الله في قلب الانسان؟ ((فلا بد من علوم بديهية أولية يبدؤها الله في قلبه)) "
بطبيعة الحال الحوار مع أمثالهم صار تضييغ وقت، لكن سريعًا إكرامًا للمتابعين:
هذا النص له ما يماثله في كتابات ابن تيمية، خذ مثلًا:
"وأما البديهيات - وهي العلوم الأولية التي يجعلها الله في النفوس ابتداء بلا واسطة مثل الحساب وهي كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين"
(مجموع الفتاوى، ج 9، ص 71.)
إذن هناك أوليات بلا واسطة، ما معنى الواسطة هنا، والمثال المضروب على أنه أولي بديهي مهم جدًا احفظه.
نبدأ بالواسطة:
1- أما الواسطة فالمقصود منها " الحد الاوسط في القياس، وهو ما يقرن باللام في قولك: "لأنه"، وهذا هو الدليل، والدليل هو وسط في الذهن للمستدل ليس هو وسطاً في نفس ثبوت الصفة للموصوف" (الرد على المنطقيين، ص398.)
يعني ليس المنفي هنا توسط الحس، إنما يقصد توسط دليل، وهذه الأوليات تعني أنك تصدق بها دون طلب دليل عليها، بل بمجرد تصور الواحد، والاثنين، تدرك أن الأول نصف الثاني دون واسطة دليل! بخلاف مثلًا رقم من خانات كبيرة، تطلب الدليل عليه وتقوم بعملية حسابه.
نأتي للمثال المذكور، (الواحد نصف الاثنين) هل هذه قبلية بمعنى تسبق أي تجربة؟
يقول ابن تيمية في نفس المثال:
2- "حتى مثل علمه بأن الواحد نصف الإثنين، وأن الضدين لا يجتمعان: هو في ذلك كله قد أدرك بحسه ذلك في بعض الأجسام والأجساد والألوان المتضادة، وعقل ما لم يحسه مثل ما أحسه في ذلك، وأن الحكم لا يفترق: واحد وواحد، جسم وجسم ولون ولون، وضد وضد: يحكم بذلك حكماً عاماً كلياً."
(بيان تلبيس الجهمية، ج4، ص169.)
يعني حتى الواحد نصف الاثنين بدأه بحسه بداية، في الأجسام، ثم عمم بحكم كلي وهذه قضية كلية، فكل اثنين نصفها واحد، هذا الحكم الكلي، هل هو قبلي التجربة؟
يقول ابن تيمية:
3-"خاصة العقل معرفة الكليات بتوسط الجزئيات" (الرد على المنطقيين، ص368.)
لاحظ توسط الجزئيات هنا لا نقول توسط الاستدلال.
ويقول:
4-"الكليات في النفس تقع بعد معرفة الجزئيات المعينة" (نفس المرجع ونفس الصفحة.)
المعينات يعني الموجودات الثابتة المحسوسة، بعد أن يرى جسمين، مثلًا في الواقع، يعني الواسطة المثبتة، هي واسطة الحس، أما المنفية هي واسطة الاستدلال.

وبعد هذا يقال: لا تفهمون هذا، هذا شأنكم لكن حذلقتكم في المسألة بل والتشنيع حد التكفير، يدل على سفاهة أحلام، كما وصفها خير الورى، وأمثالكم حقيق به السخرية لا الدرس ولا المناظرة.

الفلسفة الإلهية

 24 أكتوبر 2017

الفلسفة الإلهية


لما دخل ابن تيمية في الفلسفة عاب توغله فيها كثير من محبيه، وضاق صدرهم باصطلاحاته وبحوثه، حتى احتد بعضهم في الإنكار عليه، وهذا القسم امتد فيما بعد، فظل يصور ابن تيمية على أنه دخل ليعترض، وأن مجمل بحوثه لم يخرج فيها عن حيز الهدم، وقسم آخر اعتقد ثم نسب إليه ما رآه، والأخير هو الذي جرأ غيرهم عليهم، فرموهم بعدم فهمه.
أشهر خط اليوم في تصوير ابن تيمية سلسلته الذهبية عند التحليل كالتالي:
الدعجاني، القرني، الكردي، الصدر.
بحيث لو قرأت الصدر في فلسفتنا لقدرت على التنبؤ بمحتوى هذه الكتب التالية عليه، والحل الصدري كان بالتالي:
تقسيم الفلسفة إلى 3 أقسام:
1
مادية 2 مثالية 3 إلهية.
وعلى هذا النحو صار هناك فلسفة تسمى إلهية على أنها مستقلة، وفرح بذا إسلاميون كثر وطاروا به كل أفق، وهي في الواقع لا تخرج عن المثالية.
أما في نظرية المعرفة فابتدأ الصدر بمعرفة قبلية كانت بالقوة وتصير بعد الولادة بالفعل.
وهذا ينسحب على الكتب التالية عليه.
تم تركيب ابن تيمية على هذه المنظومة، على أن هناك مجموعة كتب أخرى لما بحثت في ابن تيمية لم تخرج بأنه يقول بالمعرفة القبلية، وميزتها التي تبعد الظنون حولها ابتعادها عن أي تطويع صدري لمقالات الرجل.
كيفما كان فقد لوحظ ضيق عطن كثيرين وبعدهم عن البحث العلمي حينما بدأوا يطعنون بإسلام من يقول بالمعرفة البعدية وينسبونها إلى ابن تيمية، ورميهم بالمتأسلمين، وهذا لا يدل إلا على غلو هؤلاء، وتكفيرهم بالجهل لا العلم.
وإنه لأمر يدعو إلى الطرافة أن يصير البحث الفلسفي، بوجود هذا الصنف يشبه أي شيء إلا الفلسفة، ومع إدمانهم لنوعية من الكتب المعاصرة، بتراجم لا فائدة من ورائها، ففلان مجروح وفلان مبتدع، تدفع القارئ لهم ليتخيل أن هؤلاء لو ترك لهم مجال لجمعوا تراجم الفلاسفة بما يخالف معاجم الأرض.
فتقرأ مثلا: ماركس كان يهوديًا ملحدًا معًا، ودعمه أهل البروتوكولات، جرحه باكونين، وعدله إنجلز، والجرح مقدم على التعديل، وإنجلز متهم بولائه للرجل فتعديله لا يقبل!.
فهذا مستواهم المعرفي، وذا مضمار سباقهم.

العقل ميزة الإنسان..

 22 أكتوبر 2017

العقل ميزة الإنسان..


تميز الإنسان عن البهائم بالعقل، فالإزراء على العقل، وذمه إزراء على أهم خاصية للإنسان، فكيف بقوم ورثوا شيئًا من آثار الكهنة يقولون للناس إياكم ومناط التكليف ومحل التمييز، فشجرة الاعتداد بالعقل ميتة عندهم.
وبدأوا يستدلون على ذلك بأن ماركس الذي ألف أهم كتبه (رأس المال) لما اعتد بعقله فإنه قضى حياته يحارب كلَّ أنواع إخضاع الإنسان حتى أدخل في ذلك خضوعه للَّه عزَّ وجلَّ، وزعم أنَّ صفات اللَّه من اختراع الإنسان!.
فيقال: ماركس في رأس المال بين رده على إله الكهنة الذي ابتكروه من أذهانهم وزعموا زورًا أنه الله، ففي مقدمة رأس المال رد على هيجل، بأن الفكر هو خالق الواقع، فقال له ماركس بل الواقع خالق الفكر، فالله عند هيجل هو "فكر الفكر" وكونه فكرًا جعل ماركس يقول إن الإنسان من أنتجه، والفكر ليس جوهرًا قائما بذاته، بل هو عرض، ومتى سموه الله قيل بأن هذا زور من القول، فمن أنكر هذا عليهم، علام يمتعض من رفض ماركس لهذا بل يصفه بأنه الله!
ثم تجده يردد شيئا لمجرد استعراض أنه قرأه حتى ولو كان في غير بابه فيقول: خضع أتباعه لفكرة لم يتعرَّف عليها عندهم فقال:لو كانت هذه هي الماركسية فلست ماركسيا..!
فيقال: قالها ماركس لرفضه تقليده، وهذا كثير حتى بين المتدينين أنفسهم، ومعناها اتبعوا الأدلة ولا تقلدوني كما بينها إنجلز فأي عيب في هذا؟
ثم طاروا إلى كانط، وقالوا: بدأ كانط مؤمنًا وانتهى لا أدريًا...!
وانظر إلى ذا التحسر على نصرانيته التقليدية، لتعلم حالهم، حتى إذا بحث وأعمل عقله، ووجد أن الثالوث وباقي مباحث اللاهوت يستحيل جمعها مع العقل السوي، رغم أنه مؤمن به، قالوا انظر لحاله بعد إعماله عقله.
وما ذكروه لا يدل إلا على أن من أعمل فكره كان خيرًا من جهول بقي على ما لقنه له الكهنة.
وشتان بين نصراني ألغى عقله وانضم للحروب الصليبية يومًا ما، وبين كانط الذي كتب بعد إعماله عقله (مشروع سلام دائم).
وإزراؤهم بالعقل ترديد لما جاء في علم اللاهوت بإخراس العقل، عند كل معضلة افترتها الكنيسة، سخفوا العقل ليجري استعباد الناس بعد فقدانهم أي مقوم نقدي.
والعقل الصحيح لا يعارض النقل الثابت الصريح، وكما يوجد من انتسب إلى العقل وضل يوجد من انتسب إلى الوحي وأعلن حروبًا صليبية وأسس محاكم التفتيش حتى استجر الناس إلى تحطيم هالته.

إمام المعارضة أبو حسن الأشعري.

 21 أكتوبر 2017

إمام المعارضة أبو حسن الأشعري.

مرة قال محمد حسنين هيكل بأن الإسلاميين لا يصلحون إلا للمقاومة، وامتعض منه القرضاوي في فلك فحوى الشعارات العامة، بأن الإسلام دين ودولة.. إلخ.
مع أن الحديث عن واقع لا يعارضه الحديث عما يفترض أن يكون، كلام هيكل يندرج تحت إطار أن الإسلاميين الذين يعرفهم هو، لم ير أنهم يصلحون لاستلام دولة، بل للمعارضة، كمقاومة عدو، أو الاعتراض على نظام أو موقف بقطع النظر عن صحة موقفهم المعارض.
في غمرة البحث في جذور موقف المعارضة، يبرز اسم أبي حسن الأشعري، ذلك الرجل الذي كان من المعتزلة، وفي ظرف انحسار تأثير المعتزلة على سلطات الدولة من أيام المتوكل العباسي، وبروز اسم الحنابلة كخط صمد في وجه المعتزلة، وامتحانهم الناس في عقائدهم وصمود أحمد بن حنبل صمودًا كبيرًا في وجههم، في ظرفٍ تلقي هذه الصورة بظلالها عليه، كان الأشعري قد وقف على المنبر وصرح بأنه كان على الكفر حين كان على مذهب المعتزلة، وأنه انتقل إلى أهل السنة.
بدأ أبو حسن بمحاججة المعتزلة لتصفيتهم النظرية، بأدواته المعرفية التي أخذها عنهم، وبالتالي فقد تحرك في إطار منظومتهم، ورغم انتسابه إلى أحمد بن حنبل في العقائد، إلا أنه حاول التوسط بين الحنابلة وما يمثلونه والمعتزلة.
ومن هنا فقد ابتكر عدة مقالات مثل الكلام النفسي، ونفي التحسين والتقبيح العقلي، ودب لاحقًا خلاف بين الأشعرية والماتريدية على ممثل خط (أهل السنة) منهم، ومن صاحب الحقوق الفكرية لبعض المقالات الأشعري أو الماتريدي؟ حتى صار شبه مستقرًا إعذارهم لبعضهم في غمرة مواجة الخصوم، كما قيل:
إن المصائب يجمعن المصابينا
الناظر في تراث الأشعري لا يجد فيه إلا معارضة، بحيث لو سحبت المعتزلة من الوجود لما فهم كثير من مقالاته كونها جاءت تركيبًا عليهم، لا يوجد نظرية في المعرفة مثلا ينطلق من وجود ضروريات مثل المعتزلة دون بحث في أساسها، ويغوص في المماحكات اللفظية البعيدة عن البحث العقلي.
وهو مذهب تفويضي في المقام الأول، بمعنى لا أدري، خذ كمثال الفرق بين من يقول:
1-
كلام الله غير مخلوق ولا ندري ما هو =تفويض.
2-
مذهب الأشعري: كلام الله لا صوت ولا حرف وهو قديم، ومع ذلك سمعه موسى حقيقة دون حرف أو صوت، كيف؟ نفوض!.
إنها نفس النتيجة مع فارق تطويل مقالات.
أما مماحكاته اللفظية فمن أشهرها تعريفه للعلم: ما يكون به العالم عالمًا !!
وسر ذلك أنه لما أثبت الرؤية، بطريقة لا تختلف عن العلم، لم يحرص على تعريف واحد منهما!
فالرؤية هي إدراك المرئي عنده، العلم لو قال إدراك، لتورط بمعرفة الفرق بينه وبين الرؤية التي أثبتها.
على أي حال كان دخوله في الكلام وكتابته رسالة في استحسانه، جعلت له خطا مختلفا عن علماء الحديث، ومن هنا فقد كان الخلاف معهم يتأجل إلى حين.
عقلية المعارضة ظلت حاضرة في كتابات الأشعرية، فهم اهتموا بالتنغيص على المعتزلة بداية كونهم الوجه المعارض لهم، وظل الجويني يحاول الانتصار للأشعري مثلا في قضايا لفظية مثل اعتباره حد الأشعري للعلم حدًا صحيحًا.
ومع مجيء الغزالي الذي كتب تهافت الفلاسفة، بقي الخط المعارض حاضرًا، وكتب في مقدمته للتهافت بأنه لم يرم تمهيد حق، إنما التكدير على الفلاسفة، ومن هنا فقد جعل كل الطوائف إلبًا عليهم، حتى ولو كان لا يقول بمقالتها.
وهذه عقلية المعارض بامتياز، ومع ذلك فإن انهماكه بالمنطق الأرسطي جعله ينقد الأشعرية في أمور متعددة، كنقده لحد العلم عند الأشعري واعتباره غير صحيح.
ومع الرازي يمكن القول إن علمه كان أوسع من مذهبه، وهو وإن ناضل عن الأشعرية مرارًا كمحاولته اللانتصار للأشعري في حده للعلم بأنه معلوم ضرورة ومن هنا فلا حاجة لحده، إلا أنه في كتاباته المتأخرة كـ(المطالب العالية) يكتب بنفس مستقل أكثر، بعقلية فلسفية أكثر من كونها كلامية ولا يجد حرجًا إن خالف المذهب، بل صار يتعامل مع الأشعري والمعتزلة في خانة واحدة على أنهم متكلمون وحديثه عن البرهنة!.
ومن هنا يمكن القول إن التماهي مع الرازي كان يؤدي إلى تقويض مذهب الأشعري نفسه إلى درجة بعيدة.
ويبقى السؤال إلى أي درجة لا تزال العقلية السياسية محتكمة إلى نفس المعارضة التي رفع لواءها الأشعري؟.

المشكلة في التنمية البشرية.

 17 أكتوبر 2017

المشكلة في التنمية البشرية.


كثيرون يعترضون على ما يسمى (بالتنمية البشرية) دون وعي بالضبط أين الإشكال الفلسفي في أطروحاتها، بل بعضهم يجعلها علمًا يتنافس فيه على الترقي ما بين مدرب، ومحاضر، إلى صاحب كتاب.
وبعضهم يحصل شهادات من بعض المراكز الغربية، فيضحي معه دكتوراه في التنمية البشرية، وهي في الواقع مربحة ولها سوق عمل، حيث إن العديد من الشركات الرأسمالية، تعقد لموظفيها دورات في التنمية البشرية، مما يحفز عملهم، ويقلل من استيائهم، ونظرتهم السودواوية لواقع العمل في إطارها.
وكثيرًا ما يخرج الموظف وقد امتلك من الثقة ومن طرد الأفكار السلبية، نشيطًا، معطيًا بشكل أكبر في عمله، وفي المقابل فإن الشركة تدفع مبالغ لا بأس لها لأولئك المدربين.
بداية فلسفيًّا، فإن الخطين الرئيسيين في الفلسفة مادية، ومثالية، المادية تنطلق من الواقع الموضوعي المحسوس، بخلاف المثالية التي تنطلق من الوعي به، وهذا الوعي ينقسم إلى مدرستين رئيسيتين:
1 –
الوعي الموضوعي: بزعم المثالي أن أفكاره هي موجودة بشكل موضوعي ومستقل عن ذاته.
2 –
الوعي الذاتي: حيث يزعم أنها مرتبطة بوعيه هو.
هذا التقسيم للتسهيل وإلا فكثيرًا ما تتقاطع الذاتية والموضوعية في الفلسفات المثالية.
نرجع لموضوعنا:
التنمية البشرية تقوم على جعل إدراك العالم تابع لتصوراتنا نحن، فإن كانت إيجابية، رأينا الواقع بصورة مختلفة عنه بشكل سلبي، وتستعين لتحسين صورة العالم بعدة طرق:
1 –
منها بعض الحجج المنطقية، وأخرى خطابية.
2 –
شيء من علم النفس المعاصر.
وكيفما دار فهي في المحصلة النهائية تدور في فلك تحسين صورة أداء الموظفين والعاملين في قطاع ما، ولذا تجد على سبيل المثال على أحد أشهر كتب التنمية البشرية وهو كتاب (العادات السبع) لآرسين آر كوفي، أن الشركات وجدته خير معين لتحسين أداء الموظفين فيها.
وبالتالي فالتنمية البشرية تدور في حقل المثالية الذاتية، بإخراج أي تذمر على المنظومة الرأسمالية في قطاع الموظفين في الدرجة الأولى، بطبيعة الحال قد يستعملها البعض على شكل مواعظ بديلة (ليوم الأحد في الكنائس) في الغرب، بعد تهافت الطرح الديني هناك بالأمر بالصبر على مظالم الإقطاع فيما كانت تستعمله في القرون الوسطى لكن هذه المرة في العلاقات الاجتماعية.
فالتنمية البشرية خليط من الفلسفة والخطابة وشيء من نظريات علم النفس، وهي في المحصلة لا تشكل علمًا بقدر كونه علمًا زائفًا، يحاول تحسين النظرة إلى الواقع، دون فلسفة متسقة، وإن كان في المحصلة النهائية يدور في فلك المثالية الذاتية.
كن أفضل!.

إن لم تخلصوا للشريعة فأخلصوا لداروين

 16 أكتوبر 2017

إن لم تخلصوا للشريعة فأخلصوا لداروين.


في التوراة والإنجيل والقرآن، تم الحديث عن أصل البشر بأن أصلهم من آدم وآدم من تراب، وأنه كرمه الله، وخلقه في أحسن صورة، يأتي البعض ويقول نستثني آدم من نظرية داروين، بسهولة فظيعة، ومن هنا لا تصادم بين النظرية وبين هذه الكتب.
المشكلة يعتبر البعض أن أصل الإنسان أمر جزئي في النظرية، والواقع هو واحد من أهم أجزائها، فقد كتب داروين كتابه:
(أصل الأنواع) في مجلد.
و(أصل الإنسان) في ثلاث مجلدات كبيرة!.
إن ثورة داروين الكوبرنيكية تكمن في هدم مركزية الإنسان، تلك التي تحدثت عنها الأديان، بأنه خلقه لعبادته، وأن العالم مسخر له، وأنه خليفة في الأرض، بكل بساطة هذا يطير من النظرية الداروينية، فالإنسان مجرد نوع تطور عن أنواع أخرى، عبر شجرة يحكمها الانتخاب الطبيعي.
بعض الذين يحبون محاربة الإلحاد، يقولون داروين قال بأن هناك خالق عظيم للكون، فيقال هذا قاله داروين في آخر أصل الأنواع، قاله في معرض تخفيف نظريته على الشعور الديني، ولم يقل ما أقوله لا يتعارض مع قصة الخلق المذكورة من آدم وحواء.
في تلك الفترة كان داروين ربوبيًا، يعني يعترف بخالق، لكنه لا يعترف بصحة ديانة معينة، ثم تطور الأمر، ففي أصل الإنسان تحدث عن الدين، بأنه منتج ذهني في رحلة التطور، بمعنى: إن الإنسان هو من صنع تلك الروايات عن الخلق.
ثم في مذكراته التي أخرجها ابنه، قال بأنه يفضل كموقف شخصي اللا أدرية، كيفما كان، فداروين أدرك استحالة الجمع بين نظرية وبين قصة آدم وحواء ونحو هذا.
الآن محاولات الأسلمة للنظرية هي أسخف من تلك الردود الرافضة للنظرية أوّل صدورها في الكنائس، ففي الأوساط الفلسفية يتندرون بحكاية الراهب الذي أراد تحطيم نظرية داروين بقوله: لو أخذنا دجاجة وغمسناها في الماء فداروين سيقول ستتطور لها زعانف وتصبح سمكة، أما أنا فأقول إنها ستغرق!
هذا وأمثاله لا يصل إلى مدى طرافة أسلمتها أو جعلها نصرانية، بالهجوم على الرواية الدينية التي فهمتها كل الأجيال السابقة على داروين بطريقة مختلفة عن عمليات التأويل الباردة التي تمارس بحقها فيما بعد منهم.
ومن هنا تجد في بعضهم الثقة لأن يطور النظرية وينسب المسخ التلفيقي بعدها إلى نفسه، كما صنع كاتبان في كتاب (آذان الأنعام) حين أخرجا داروين بصورة كأنه من كبار الموحدين، فقالا بأنه كان موحدًا على الفطرة! وشوّها النظرية، مع تأويل النصوص، لتخرج نظرية أخرى تزيد الهراء واحدًا.
وغيرهما صنع نفس الشيء، قبل فترة ابتكر نظرية من رأسه فحسب، وقال بأنها نظرية تجمع بين الدين وداروين، وسماها بالنظرية الأزرقية! نسبة إليه.
إنه امتداد للهراء التأويلي من أيام أرسطو مع النصوص، وكما أدخل بعض الفلاسفة والمتكلمين أرسطو إلى المسجد عنوة، كذلك نصّرته الكنيسة على يد توما الأكويني، تعاد القصة هذه المرة مع داروين.